الخوف من اليرقة

مراد عبد الله المبروك مدرس في العقد الثالث من عمره ، تغلب عليه صفة التوسط. فهو اوسط اخوته، وهو متوسط الطول ، ليس نحيفا و ممارسته الاسبوعية لرياضة العدو تكسبه قواما معتدلا. تحصيله العلمي ضمن له وظيفة متوسطة. تخرج من المعهد العالي للمدرسين كغيره من رفاقه بدرجات معقولة. ثم تم تعيينه لحسن حظه في مدرسة قريبة من بيته بمحض الصدفة.
يملك مراد نظرة عادية للحياة. ورث هذه النظرة عن أبيه الذي ورثها بدوره عن جده. الوجود بالنسبة هو بحر متلاطم الامواج، وعلى المرء أن يتعلم مهارات تقيه الغرق وتبقيه على قيد الحياة. وهكذا وجد نفسه يتعلق بالدين طلبا للنجاة من الغرق في نار جهنم، ووجد نفسه يحرص على التخرج من المعهد العالي لكي لا يغرق في البطالة والفقر، و حرص على تحصين نفسه بالزواج كي لا يغرق في حبائل الجنس الآخر. جرى كل ذلك في توافق عجيب بينه وبين عقله. لم يفكر يوما في ان تكون له شخصية مستقلة أو إرادة حرة تستجيب لأشواقه الداخلية، فهو لم يختر أن يكون مدرسا وإنما كانت هذه إرادة والده. وقد اختار له والده التخصص. ووالده أيضاً من اختار له الوقت المناسب لتأسيس أسرته بينما تولت والدته اختيار العروس المناسبة. فلما استقل ببيته واستقر في وظيفته شعر بالممل يتسرب إليه. كل الأيام متشابهة. وصارت أحداث يومه روتينا مكرورا حتى جاء يوم تقابل فيه مع زميل قديم لم يره منذ المدرسة الابتدائية. كان زميله خليفة رمضان درويش يتوقد حيوية و يتقد حماسا يصعب تجاهله. احتفظ مراد بملاحظته هذه لنفسه. ثم وجد نفسه يوافق على تجديد اللقاء بزميله القديم في اليوم التالي . تبادلا أرقام الجوال قبل أن يفترقا.
اعترف مراد بينه وبين نفسه ان زميله قد تغير كثيرا. فهو يذكره كطالب هادىء اقرب الى الخمول والبلادة منه للنبوغ والنجابة. وهو خجول يعطي الإنطباع بأنه إنطوائي غريب الأطوار بسبب عدم اهتمامه بقيافته المدرسية وشعره الأشعث على الدوام . كيف طرأ هذا التحول الجذري على شخصيته. شعر برغبة طاغية في سماع تفاصيل التحول من زميله ، ولذلك صار يتحرق شوقاً لموعد اللقاء في عصر اليوم التالي.
بعد فراغه من التدريس وانتهاء دوامه كان الوقت صيفاوالحرارة مرتفعة بعض الشيء. خرج مراد مسرعا من المدرسة متوجها الى بيته حيث تناول غداء خفيفا وأخذ قسطا من الراحة قبل أن يتوجه الى مسجد الحي لصلاة العصر. كان تخطيطه أن يصل قبل زميله خليفة ليختار الموقع الأفضل في الحديقة المقابلة للمسجد مكان اللقاء. لكنه تفاجأ بوجود زميله في الصف الأول في المسجد. مفاجأة وقعت من نفسه موقعاً حسناً. هز رأسه وابتسم لضياع خطته. بعد الفراغ من الصلاة أقبل خليفة هاشّاً باشّاً . سلّم عليه بحرارة وأخذه بالاحضان. خرجا الى الحديقة المقابلة وجلسا في ظل شجرة وافرة الظلال. كانت حدة الشمس قد انكسرت وبعض النسيم يخفف من قساوة الجو الحار. طلب خليفة مشروبا باردا وأصر على ان يدفع ثمن ما يطلبه. سأله عن احواله وكيف جرت به أمور الدنيا. أجاب مراد بعفوية بأن حياته على أتم مايرام ، وأنه يعمل منذ سنين مدرساً في مدرسة الحي. كل ميسر لما خُلِقَ له كانت إجابة زميله الذي انطلق يتحدث في أمورٍ شتى. لم ينتبه مراد لمضي الوقت من شدة استغراقه في الحديث المتشعب حتى طرق أذنيه آذان المغرب فاعتذر من زميله قائلا أنه بوده لو تستمر المحادثة الشيقة لولا ضرورة عودته الى البيت.
عاد مراد وفي ذهنه تتزاحم انطباعات من اثر اللقاء بخليفة. الرجل تغير تماما عن ذلك الزميل المنطوي على نفسه. شيء ما جعله يتذكر درس مادة الاحياء. اليرقة تكون شبيهة بالدودة ثم تصبح لها شرنقة ليحدث فيها تغير مذهل تنتهي بخروجها كاملة ناضجة. لم يعد يذكر إن كان الدرس متعلق بالفراشات فقط أم يشمل النمل والنحل أيضاً ،لكنه متأكد ان شخصية زميله كانت يرقةً في في تلك الأيام. شعر مراد بالإثارة لظنه ان وراء تحول خليفة قصة مليئة بالأسرار جديرة بالاكتشاف.
ما إن وصل مراد الى بيته حتى رن هاتفه الجوال. كان خليفة على الطرف الآخر. قال خليفة إنه يريد أن يراه في الغد في نفس الموعد والمكان لأمرٍ مُلّحٍ. تعجب مراد في نفسه ولكنه أعطى موافقته على الحضور. توقع مراد أن يجد خليفة في الصف الأول فتفحص الجالسين واحداً بعد الآخر دون أن تقع عينيه على زميله. فلما فرغ من الصلاة مسح قاعة الصلاة بعينيه بحثاً عن خليفة. وجد خليفة يلوح له بيده. خرجا معا وجلسا تحت الشجرة نفسها. قال خليفة انه محظوظ جدا بالصدفة التي جمعت بينهما وأعادت وصل ما انقطع بفعل الزمان. فرد مراد بأن القدر لا يفلت منه شيء ولا مكان للصدف. خير ان شاء الله. ما هو الامر المستعجل الذي تريدني فيه. الجو اليوم افضل من امس فدعنا نتمشى قليلا. ما رأيك؟ وجد مراد نفسه يسير الى جانب خليفة. تماما كما في الزمن القديم. الاختلاف الوحيد هو ان خليفة هو الذي يأخذ زمام المبادرة. فيختار المواضيع التي يخوضان فيها ، والمكان الذي يلتقيان فيه ، والشارع الترابي الذي يسيران فيه الان. فكرة اليرقة والتحول كانت تسيطر على عقله. لاحظ ان زميله انحرف عن طريق الكورنيش مبتعدا عن الزحام فسأله عن وجهته. اجابه قائلا اعرف مقهى انيقا هادئا في نهاية هذا الشارع. سنصل إليه في أقل من دقيقتين. اختار خليفة ركنا منزويا لجلوسهما واستدعى النادل وطلب قهوة وبعض الحلويات الشرقية لكليهما. ثم استدعاه مرة اخرى طالبا منه إزالة الغبار عن الطاولة. كانت لهجته آمرة مما أثار تعجب مراد . لم يكن في المقهى رواد كثيرون بالرغم من وجود كل الدواعي لذلك. فالمقهى مكيف بالكامل ، وبه شاشة تلفزيون كبيرة ، ويتمتع بموقع ممتاز يتيح للمرتادين خيار الجلوس في الداخل او في الحديقة الملحقة به. سأل خليفة زميله عن رأيه في المقهى. قال مراد انها المرة الأولى التى يدخل فيها المقهى، وأن انطباعه إيجابيٌ جداً. هل هو محل جديد. يقيناً سوف يصبح مشهورا اذا حافظ على جودته كما هي الآن. ابتسم خليفة وقال نعم المحل له أقل من شهرين ، وأراهنك على ان مستواه سيصبح افضل مع الايام. أجابه مراد بأن الجودة والإتقان ليست من أعراف بلادنا. الناس تستثمر وتريد تحقيق مكاسب سريعة لذلك تجد المشروع يبدأ بصورة جميلة ثم تتناوله يد الإهمال. قال خليفة ملاحظتك في محلها. في الحقيقة موضوعنا يتعلق بمشروع أريد عرضه عليك. هذا المقهى هو أحد نشاطاتي التجارية الجديدة. ويتجه تفكيري حاليا لفتح مقهى آخر في منطقتكم. قطع مراد حديثه قائلا تبارك الرحمن. منذ متى وانت رجل أعمال. تابع خليفة كلامه قائلا بدأت الحكاية بالصدفة ذات صيف. كنت أقضي الإجازة الصيفية عند خالي الذي يملك مقهى مطلاً على الشاطئ في منطقة مشهورة. وقضيت السنوات الاربع التالية اشتغل معه في الاجازة. وبعد انتهاء دراستي الجامعية في التجارة والاقتصاد عرض علي خالي ان نتشارك في مشروع سلسلة مقاهي عصرية. كان العرض مغريا حيث يساهم هو برأس المال وانا بالإشراف والادراة اليومية. وكانت تقف امامنا عقبة وحيدة وهي الحصول على التراخيص اللازمة من اجهزة البلدية المختلفة بالاضافة الى موافقةٍ أَمْنيةٍ استطاع خالي الحصول عليها بتيسير عجيب عبر أحد أقارب زوجته الذي يحتل منصبا أمنيا رفيعا. بعد السنة الأولى تحصلت على دورة تدريبية في الخارج لمدة سنتين عدت بعدها لعملي السابق. واجتهدت كثيرا حتى أفرض وجودي في مجال عملي. ثم حدثت تفاصيل أخبرك بها لاحقا أدت في مجموعها إلى دخولي في سلسلة صفقات تجارية مربحة جعلتني ميسور الحال. وبعد وفاة خالي قمت بشراء نصيبه من الورثة ، مع حرصي على ان يكون شريكي الجديد هو الموظف صاحب المنصب الامني الرفيع. وهكذا يا زميلي العزيز مراد وجدت نفسي في عالم جديد لم يكن يخطر لي في البال. وانت كيف جرت معك الامور؟
قص مراد على زميله مجريات حياته دون ان يخفي عنه تبرمه وضيقه بسيطرة الروتين الممل القاتل. كان صوته شاهدا على صدقه. صوت يخلو من اي اثارة. بدا مراد كضوء شمعة تذوي قبيل انطفاء جذوتها. فقال خليفة سأعرض عليك أمراً وأرجو ان تفكر فيه جيدا قبل ان تتخذ قرارك. انا بحاجة الى رجل ثقة لتولى شؤون مشروع المقهى الجديد. وانت بالذات تنطبق عليك كل المواصفات المطلوبة. تفاجأ مراد فصدرت عنه نحنحة فأشار خليفة بيده ليمنعه من الكلام مواصلاً عرضه قائلاً المقهى يحتاج الى رجل حازم أمين يحضر بعد الظهر من كل يوم لمتابعة الاعمال الادارية وشؤون العمال. اما الباقي من اعمال المحاسبة والتمويل ورأس المال فسوف يتكفل به هو شخصيا وشريكه. لديك فرصة 3 ايام وبعدها تعطيني الجواب. وبالمناسبة ليتك تشرفني بحضور حفلة ختان ابني غدا. هذا هو العنوان. شريكي سيحضر وسوف تكون مناسبة للتعارف بينكما. هز مراد رأسه موافقاً وهو يتعجب في نفسه ثم قال موضوع الشراكة يحتاج للتفكير بجدية وانا لا املك فائضا من المال للمغامرة يا خليفة. فوظيفتي كمدرس بالكاد تكفي لتغطية متطلبات الحياة. أجابه خليفة ضاحكا وهو المطلوب يا عزيزي. سمعتك ومكانتك الاجتماعية في المنطقة هي رأسمالك الذي تشارك به. وغدا ستعرف المزيد من التفاصيل. بالله عليك لا تتأخر.
أخبر مراد زوجته بالعرض الذي قدمه له خليفة طالبا منها الرأي والمشورة. بعد تفكير عميق قالت له الامر محير. مشروع تساهم فيه بسمعتك فقط مقابل بضع ساعات يوميا بعد الدوام الرسمي سوف يدر علينا دخلا إضافيا نحن في حاجة مسيسة إليه. العجيب أنه تذكرك بعد كل هذه السنين. والاعجب انه سيعتمد على اسمك .اسم مشهور لعائلة يشهد لها الجميع بالسيرة المحمودة والاخلاق. لكن هل انت متأكد أنه لا يريد شيئا آخر. قال ان كنت تريدين الصراحة فأنا قلق جدا وغير مرتاح، خصوصا من جهة شريكه صاحب المنصب الامني. وفي نفس الوقت اجد ان الأمر فيه مكسب مادي . فرصة اتاحها لنا القدر. زميل دراسة قديم يعرفني وأعرفه، فلا غرابة في الامر من هذه الناحية. قالت زوجته بالعكس تماما وجود شريك ذي نفوذ في أجهزة الأمن يعتبر ميزة كبيرة. وهكذا وجد مراد في كلام زوجته ما يزيح قلقه فقرر أن يصلي الاستخارة ليحسم أمره. في اليوم التالي فتح مراد خزانة ملابسه واختار افضل ما فيها حسب رأيه. جاءت زوجته وعاتبته قائلة ألم تجد افضل من هذه البدلة التي ترتديها في المناسبات منذ 5 سنوات. عليك بالبدلة الجديدة والقميص الزهري. مناسبة للصيف وتليق بك أكثر. تظهرك اكثر حيوية. استجاب لرأيها وغير ملابسه بسرعة. استعمل عطراً فرنسيا وارتدى حذاء لامعا. نظر الى نفسه في المرآة وسمع صوت زوجته تقول الله يحرسك ويحميك من العين. انطلق مراد الى العنوان حيث يسكن زميله. اندهش من فخامة المبنى المكون من طابقين وجداراً يخفي خلفه حديقة جميلة فيها جدول ماء صناعي يصدر خريرا يضاهي صوت الجداول الطبيعية. استقبله زميله خليفة امام بوابة معدنية ذات نقوش بديعة تفضي الى ممر حجارته صقيلة لامعة تميل الى اللون الاحمر وعلى جنباته توزعت شجيرات صغيرة كثيرة الازهار بينما تحيط بالبوابة شجرتا ياسمين ينبعث منهما شذى فواحٌ يتسلل الى أنفك ما إن تعبر الممر الى بهوٍ فسيح تناثرت في أرجائه الفرش و الوسائد الوثيرة على سجاد بديع يغطى كامل الارضية. انتحى خليفة بمراد جانبا وشكره بحرارة على تلبية الدعوة معتبرا ذلك تشريفا كبيرا له. توالى توافد الضيوف الذين لم يكن يعرف أي أحد منهم. شعر لوهلة أنه دخيل على الحاضرين. اخذ الضيوف مجالسهم وبدأت اصواتهم تتداخل فتعلو حينا وتنخفض حينا، ضحكات مجلجلة تختلط بنداءات. وجد نفسه قرب مجموعة من الضيوف الذين لا توجد بينهم سابق معرفة هم أيضا. بدأ أحدهم الحديث عن آخر موديلات السيارات فجذب حديثه الباقين وتشعبت بهم الاحاديث فخاضوا في مواضيع شتى بدأت أسعار السيارات وانتهت بوجهات السياحة المفضلة قبل ان يتوقف الجميع عن الحديث. كان خليفة قد دخل البهو حاملا وليده ابن الخمسة اسابيع في ثوب ابيض ناصع مرتديا طربوشا احمر يكاد لا يثبت على رأسه الصغيرة. تحلق الجميع حول الصبي يباركون ويكبرون في الوقت الذي كان الزهو والفخر واضحين مرتسمين على تقاسيم خليفة. وبعد مضي دقائق قلائل أعاد الوالد وليده الى داخل البيت وتعالت حينها اصوات نساء البيت بالاهازيج مختلطة بالزغاريد مما أشاع جو من البهجة والحبور بين الضيوف الذين سرعان ما انغمسوا في أحاديث جانبية قطعها بدء حضور صحون الطعام. توزع الحاضرون كيفما اتفق في حلق متجاورة ووضعت أمامهم اطباق صغيرة متنوعة وطبق كبير للوجبة الرئيسية عبارة عن طاجن به قطع اللحم والخضار والبرقوق مع مرق عسلي اللون خفيف في حين كانت حبات السمسم المحمصة منثورة في الطبق بسخاء. طبق يسيل له اللعاب حقا.
كاد مراد ينسى الامر الذي جاء خصيصا من أجله. كان يريد ان يقابل المسؤول الأمني وجهاً لوجهٍ ليكون عنه انطباعاً يزيح آخر ظلال القلق من نفسه. انتبه ليدٍ تربت على كتفه الأيمن. استدار ليجد خليفة يبتسم له ويقول هل يمكن اقتطاع جزء من وقتك الآن للتعرف على شريكي. تبع مراد خليفة الى غرفة جانبية بها أكثر من صالون جلوس. أهلا أهلا بالسيد مراد. كانت هذه كلمات المسؤول الأمني الذي عرّف بنفسه قائلا اخوك العبد الضعيف عبد المجيد معروف البدوي. لواء في الاستخبارات العامة. مد يده مصافحا وهو يقول حدثني عنك خليفة وهو يثني عليك وعلى سمعتك. ولا أخفي عنك اني قمت بإجراء تحريات خاصة عنك ولم أجد اي شائبة. خرج صوت مراد متلعثما مصحوبا بحشرجة حفيفة قائلا الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. لم أكن أظن ان الموضوع سيصل الى درجة اجراء التحريات. لا عليك يا مراد . هو أمر تعودت عليه بسبب طبيعة عملي. لم نجد حتى مخالفة بسيطة. ليت كل المواطنين يتحلون بمثل انضباطك. سيكون لعملك راتب شهري مناسب بالاضافة الى مردودٌ ماليٌ مجزٍ كنسبة من الارباح. متى تستطيع ان تبدأ معنا.
لم تمض أشهر قليلة حتى كان مشروع المقهى حقيقة ناجحة على ارض الواقع يلاقى رواجا هائلا للجودة والسمعة التي يتمتع بها جميع العاملين فيه. لم يقتصر الرواد على شباب الحي فقط ، بل تخطت شهرته فأصبح مقصدا لكل الطبقات من مناطق عديدة. كان مراد مثالا للانضباط وحسن التعامل مع العمال الذين كانوا يرتاحون لوجوده بينهم بقدر نفورهم من وجود خليفة أو رعبهم من لواء الاستخبارات عبدالمجيد البدوي . وفي يوم من الايام اتصل اللواء بمراد طالبا منه سرعة الحضور للمقهى في غير موعده. شعر مراد بقلق فغادر المدرسة مخترعاً عذرا لغيابه امام مدير المدرسة. كان عبدالمجيد في انتظاره . دلفا الى داخل المقهى وجلسا في ركن منزوى. قال اللواء هذه المرة لدي خبر مهم جدا بحيث لم يكن من الممكن التحدث عنه عبر الهاتف. شعر مراد بتزايد القلق. دعنا ندخل في الموضوع مباشرة يا مراد. الموضوع خطير. البلد تمر بمرحلة فيها بعض القلق. وكما هي العادة سيتم اجراء حملات امنية ستطال بعض المساجد ، منها مع الاسف الشديد المسجد الذي تواظب فيه على الصلاة. لذلك احببت ان تكون على علم تام بهذه الحملة بحيث يمكن لك ولمن تعرف من اهل الصلاح بان يختاروا اماكن اخرى خلال وقت الحملات. الموضوع خطير جدا ويستلزم الحذر والسرية الكاملة بحيث لا يمكن لك ان تذكر مصدر هذه المعلومة ولا ان تأتي على ذكرها اثناء المحادثات الهاتفية. اظهر مراد رباطة جأش وقال بهدوء شكرا على الثقة وسأعمل بالنصيحة، والحق ان كثيرا من الشباب الابرياء يذهبون ضحية لمجرد تواجدهم. نظر اللواء الى خارج المقهى وزفر بصوت مسموع. قال هل تظن اننا لا نعرف ذلك. هذه ضرورات أمنية ستفهمها في يوم من الايام. الحملة ستبدأ من الجمعة المقبلة وتستمر لمدة شهر كامل في كل جمعة. سوف لن آخذ من وقتك اكثر من هذا وشكرا على سرعة الحضور.
واصل مراد حياته كالمعتاد . يصلى الفجر حاضرا في المسجد، ثم ينطلق الى المدرسة صباحاً ، يعود للبيت للغداء والراحة ثم يخرج للمقهى عصراً الى ما قبل صلاة العشاء التي يحرص على ادائها في البيت. تردد في البداية في كيفية نشر خبر الحملة الامنية بين رواد المسجد لكنه عز عليه ترويع الناس البريئة في معتقلات الامن. ذكر الامر كشائعة وصلته بين زملائه المدرسين وموظفي المدرسة لقربها من المسجد. وهكذا انتشر الخبر بسرعة حتى انه وصلته تحذيرات من اشخاص متفرقين تنصحه بعدم التردد على مسجد المنطقة. بعضهم قال ان المسجد سيطرت عليه جماعة منحرفة العقيدة وانها تحارب المذاهب ولا تأخذ الا باقوال مشايخ من خارج الوطن. بعضهم قال صراحة المسجد به عناصر متطرفة تجند الشباب وترسلهم للجهاد خارج البلاد. وبعضهم ذكر اسبابا اخرى. اندهش مراد من سرعة انتشار الشائعة وتفسيراتها المتنوعة. وذات يوم عاد الى بيته قبل العشاء ليجد زوجته وبعض اقاربها في حالة من القلق والاضطراب. قالت زوجته ان شقيقها وقع في قبضة الحملة الامنية لمجرد تواجده في خيمة لحفل زفاف في المنطقة. أسقط في يد خليفة. لم يصدق أذنيه. لم يسمع أن الحملات الأمنية تداهم الاعراس من قبل. صبيحة اليوم التالي رن جواله. كان اللواء على الطرف الآخر يحمل له بشرى قائلا ان بامكانه ان يذهب صحبة خليفة لقسم الشرطة في مدينة مجاورة لإحضار صهره. أدت عملية الافراج الى فرحة غامرة شملت كل الاطراف. وشعر مراد بعدها بالامتنان للواء الامن البدوي الذي بادر بتقديم عرض له للإنضمام لصفوف الأمن . لم يتردد مراد كثيرا في قبول العرض. كان عمله في المدرسة وفي المقهى غير كافيين لتحقيق حلمه بالانتقال لمسكن فاخر من طابقين كزميله. ولم يمض وقت طويل حتى كان مراد عبدالله المبروك قد عاد من دورة في التجارة و الاقتصاد في الخارج وبدأ طورا جديدا في الحياة يخطط فيه للحصول على فيلا تقع على أطراف المدينة ملحق بها مزرعة متكاملة. شيء واحد فقط لم يستطع التخلص منه طيلة هذه السنوات : رعب التحول الى يرقة .

أضف تعليق