الخوف من اليرقة

مراد عبد الله المبروك مدرس في العقد الثالث من عمره ، تغلب عليه صفة التوسط. فهو اوسط اخوته، وهو متوسط الطول ، ليس نحيفا و ممارسته الاسبوعية لرياضة العدو تكسبه قواما معتدلا. تحصيله العلمي ضمن له وظيفة متوسطة. تخرج من المعهد العالي للمدرسين كغيره من رفاقه بدرجات معقولة. ثم تم تعيينه لحسن حظه في مدرسة قريبة من بيته بمحض الصدفة.
يملك مراد نظرة عادية للحياة. ورث هذه النظرة عن أبيه الذي ورثها بدوره عن جده. الوجود بالنسبة هو بحر متلاطم الامواج، وعلى المرء أن يتعلم مهارات تقيه الغرق وتبقيه على قيد الحياة. وهكذا وجد نفسه يتعلق بالدين طلبا للنجاة من الغرق في نار جهنم، ووجد نفسه يحرص على التخرج من المعهد العالي لكي لا يغرق في البطالة والفقر، و حرص على تحصين نفسه بالزواج كي لا يغرق في حبائل الجنس الآخر. جرى كل ذلك في توافق عجيب بينه وبين عقله. لم يفكر يوما في ان تكون له شخصية مستقلة أو إرادة حرة تستجيب لأشواقه الداخلية، فهو لم يختر أن يكون مدرسا وإنما كانت هذه إرادة والده. وقد اختار له والده التخصص. ووالده أيضاً من اختار له الوقت المناسب لتأسيس أسرته بينما تولت والدته اختيار العروس المناسبة. فلما استقل ببيته واستقر في وظيفته شعر بالممل يتسرب إليه. كل الأيام متشابهة. وصارت أحداث يومه روتينا مكرورا حتى جاء يوم تقابل فيه مع زميل قديم لم يره منذ المدرسة الابتدائية. كان زميله خليفة رمضان درويش يتوقد حيوية و يتقد حماسا يصعب تجاهله. احتفظ مراد بملاحظته هذه لنفسه. ثم وجد نفسه يوافق على تجديد اللقاء بزميله القديم في اليوم التالي . تبادلا أرقام الجوال قبل أن يفترقا.
اعترف مراد بينه وبين نفسه ان زميله قد تغير كثيرا. فهو يذكره كطالب هادىء اقرب الى الخمول والبلادة منه للنبوغ والنجابة. وهو خجول يعطي الإنطباع بأنه إنطوائي غريب الأطوار بسبب عدم اهتمامه بقيافته المدرسية وشعره الأشعث على الدوام . كيف طرأ هذا التحول الجذري على شخصيته. شعر برغبة طاغية في سماع تفاصيل التحول من زميله ، ولذلك صار يتحرق شوقاً لموعد اللقاء في عصر اليوم التالي.
بعد فراغه من التدريس وانتهاء دوامه كان الوقت صيفاوالحرارة مرتفعة بعض الشيء. خرج مراد مسرعا من المدرسة متوجها الى بيته حيث تناول غداء خفيفا وأخذ قسطا من الراحة قبل أن يتوجه الى مسجد الحي لصلاة العصر. كان تخطيطه أن يصل قبل زميله خليفة ليختار الموقع الأفضل في الحديقة المقابلة للمسجد مكان اللقاء. لكنه تفاجأ بوجود زميله في الصف الأول في المسجد. مفاجأة وقعت من نفسه موقعاً حسناً. هز رأسه وابتسم لضياع خطته. بعد الفراغ من الصلاة أقبل خليفة هاشّاً باشّاً . سلّم عليه بحرارة وأخذه بالاحضان. خرجا الى الحديقة المقابلة وجلسا في ظل شجرة وافرة الظلال. كانت حدة الشمس قد انكسرت وبعض النسيم يخفف من قساوة الجو الحار. طلب خليفة مشروبا باردا وأصر على ان يدفع ثمن ما يطلبه. سأله عن احواله وكيف جرت به أمور الدنيا. أجاب مراد بعفوية بأن حياته على أتم مايرام ، وأنه يعمل منذ سنين مدرساً في مدرسة الحي. كل ميسر لما خُلِقَ له كانت إجابة زميله الذي انطلق يتحدث في أمورٍ شتى. لم ينتبه مراد لمضي الوقت من شدة استغراقه في الحديث المتشعب حتى طرق أذنيه آذان المغرب فاعتذر من زميله قائلا أنه بوده لو تستمر المحادثة الشيقة لولا ضرورة عودته الى البيت.
عاد مراد وفي ذهنه تتزاحم انطباعات من اثر اللقاء بخليفة. الرجل تغير تماما عن ذلك الزميل المنطوي على نفسه. شيء ما جعله يتذكر درس مادة الاحياء. اليرقة تكون شبيهة بالدودة ثم تصبح لها شرنقة ليحدث فيها تغير مذهل تنتهي بخروجها كاملة ناضجة. لم يعد يذكر إن كان الدرس متعلق بالفراشات فقط أم يشمل النمل والنحل أيضاً ،لكنه متأكد ان شخصية زميله كانت يرقةً في في تلك الأيام. شعر مراد بالإثارة لظنه ان وراء تحول خليفة قصة مليئة بالأسرار جديرة بالاكتشاف.
ما إن وصل مراد الى بيته حتى رن هاتفه الجوال. كان خليفة على الطرف الآخر. قال خليفة إنه يريد أن يراه في الغد في نفس الموعد والمكان لأمرٍ مُلّحٍ. تعجب مراد في نفسه ولكنه أعطى موافقته على الحضور. توقع مراد أن يجد خليفة في الصف الأول فتفحص الجالسين واحداً بعد الآخر دون أن تقع عينيه على زميله. فلما فرغ من الصلاة مسح قاعة الصلاة بعينيه بحثاً عن خليفة. وجد خليفة يلوح له بيده. خرجا معا وجلسا تحت الشجرة نفسها. قال خليفة انه محظوظ جدا بالصدفة التي جمعت بينهما وأعادت وصل ما انقطع بفعل الزمان. فرد مراد بأن القدر لا يفلت منه شيء ولا مكان للصدف. خير ان شاء الله. ما هو الامر المستعجل الذي تريدني فيه. الجو اليوم افضل من امس فدعنا نتمشى قليلا. ما رأيك؟ وجد مراد نفسه يسير الى جانب خليفة. تماما كما في الزمن القديم. الاختلاف الوحيد هو ان خليفة هو الذي يأخذ زمام المبادرة. فيختار المواضيع التي يخوضان فيها ، والمكان الذي يلتقيان فيه ، والشارع الترابي الذي يسيران فيه الان. فكرة اليرقة والتحول كانت تسيطر على عقله. لاحظ ان زميله انحرف عن طريق الكورنيش مبتعدا عن الزحام فسأله عن وجهته. اجابه قائلا اعرف مقهى انيقا هادئا في نهاية هذا الشارع. سنصل إليه في أقل من دقيقتين. اختار خليفة ركنا منزويا لجلوسهما واستدعى النادل وطلب قهوة وبعض الحلويات الشرقية لكليهما. ثم استدعاه مرة اخرى طالبا منه إزالة الغبار عن الطاولة. كانت لهجته آمرة مما أثار تعجب مراد . لم يكن في المقهى رواد كثيرون بالرغم من وجود كل الدواعي لذلك. فالمقهى مكيف بالكامل ، وبه شاشة تلفزيون كبيرة ، ويتمتع بموقع ممتاز يتيح للمرتادين خيار الجلوس في الداخل او في الحديقة الملحقة به. سأل خليفة زميله عن رأيه في المقهى. قال مراد انها المرة الأولى التى يدخل فيها المقهى، وأن انطباعه إيجابيٌ جداً. هل هو محل جديد. يقيناً سوف يصبح مشهورا اذا حافظ على جودته كما هي الآن. ابتسم خليفة وقال نعم المحل له أقل من شهرين ، وأراهنك على ان مستواه سيصبح افضل مع الايام. أجابه مراد بأن الجودة والإتقان ليست من أعراف بلادنا. الناس تستثمر وتريد تحقيق مكاسب سريعة لذلك تجد المشروع يبدأ بصورة جميلة ثم تتناوله يد الإهمال. قال خليفة ملاحظتك في محلها. في الحقيقة موضوعنا يتعلق بمشروع أريد عرضه عليك. هذا المقهى هو أحد نشاطاتي التجارية الجديدة. ويتجه تفكيري حاليا لفتح مقهى آخر في منطقتكم. قطع مراد حديثه قائلا تبارك الرحمن. منذ متى وانت رجل أعمال. تابع خليفة كلامه قائلا بدأت الحكاية بالصدفة ذات صيف. كنت أقضي الإجازة الصيفية عند خالي الذي يملك مقهى مطلاً على الشاطئ في منطقة مشهورة. وقضيت السنوات الاربع التالية اشتغل معه في الاجازة. وبعد انتهاء دراستي الجامعية في التجارة والاقتصاد عرض علي خالي ان نتشارك في مشروع سلسلة مقاهي عصرية. كان العرض مغريا حيث يساهم هو برأس المال وانا بالإشراف والادراة اليومية. وكانت تقف امامنا عقبة وحيدة وهي الحصول على التراخيص اللازمة من اجهزة البلدية المختلفة بالاضافة الى موافقةٍ أَمْنيةٍ استطاع خالي الحصول عليها بتيسير عجيب عبر أحد أقارب زوجته الذي يحتل منصبا أمنيا رفيعا. بعد السنة الأولى تحصلت على دورة تدريبية في الخارج لمدة سنتين عدت بعدها لعملي السابق. واجتهدت كثيرا حتى أفرض وجودي في مجال عملي. ثم حدثت تفاصيل أخبرك بها لاحقا أدت في مجموعها إلى دخولي في سلسلة صفقات تجارية مربحة جعلتني ميسور الحال. وبعد وفاة خالي قمت بشراء نصيبه من الورثة ، مع حرصي على ان يكون شريكي الجديد هو الموظف صاحب المنصب الامني الرفيع. وهكذا يا زميلي العزيز مراد وجدت نفسي في عالم جديد لم يكن يخطر لي في البال. وانت كيف جرت معك الامور؟
قص مراد على زميله مجريات حياته دون ان يخفي عنه تبرمه وضيقه بسيطرة الروتين الممل القاتل. كان صوته شاهدا على صدقه. صوت يخلو من اي اثارة. بدا مراد كضوء شمعة تذوي قبيل انطفاء جذوتها. فقال خليفة سأعرض عليك أمراً وأرجو ان تفكر فيه جيدا قبل ان تتخذ قرارك. انا بحاجة الى رجل ثقة لتولى شؤون مشروع المقهى الجديد. وانت بالذات تنطبق عليك كل المواصفات المطلوبة. تفاجأ مراد فصدرت عنه نحنحة فأشار خليفة بيده ليمنعه من الكلام مواصلاً عرضه قائلاً المقهى يحتاج الى رجل حازم أمين يحضر بعد الظهر من كل يوم لمتابعة الاعمال الادارية وشؤون العمال. اما الباقي من اعمال المحاسبة والتمويل ورأس المال فسوف يتكفل به هو شخصيا وشريكه. لديك فرصة 3 ايام وبعدها تعطيني الجواب. وبالمناسبة ليتك تشرفني بحضور حفلة ختان ابني غدا. هذا هو العنوان. شريكي سيحضر وسوف تكون مناسبة للتعارف بينكما. هز مراد رأسه موافقاً وهو يتعجب في نفسه ثم قال موضوع الشراكة يحتاج للتفكير بجدية وانا لا املك فائضا من المال للمغامرة يا خليفة. فوظيفتي كمدرس بالكاد تكفي لتغطية متطلبات الحياة. أجابه خليفة ضاحكا وهو المطلوب يا عزيزي. سمعتك ومكانتك الاجتماعية في المنطقة هي رأسمالك الذي تشارك به. وغدا ستعرف المزيد من التفاصيل. بالله عليك لا تتأخر.
أخبر مراد زوجته بالعرض الذي قدمه له خليفة طالبا منها الرأي والمشورة. بعد تفكير عميق قالت له الامر محير. مشروع تساهم فيه بسمعتك فقط مقابل بضع ساعات يوميا بعد الدوام الرسمي سوف يدر علينا دخلا إضافيا نحن في حاجة مسيسة إليه. العجيب أنه تذكرك بعد كل هذه السنين. والاعجب انه سيعتمد على اسمك .اسم مشهور لعائلة يشهد لها الجميع بالسيرة المحمودة والاخلاق. لكن هل انت متأكد أنه لا يريد شيئا آخر. قال ان كنت تريدين الصراحة فأنا قلق جدا وغير مرتاح، خصوصا من جهة شريكه صاحب المنصب الامني. وفي نفس الوقت اجد ان الأمر فيه مكسب مادي . فرصة اتاحها لنا القدر. زميل دراسة قديم يعرفني وأعرفه، فلا غرابة في الامر من هذه الناحية. قالت زوجته بالعكس تماما وجود شريك ذي نفوذ في أجهزة الأمن يعتبر ميزة كبيرة. وهكذا وجد مراد في كلام زوجته ما يزيح قلقه فقرر أن يصلي الاستخارة ليحسم أمره. في اليوم التالي فتح مراد خزانة ملابسه واختار افضل ما فيها حسب رأيه. جاءت زوجته وعاتبته قائلة ألم تجد افضل من هذه البدلة التي ترتديها في المناسبات منذ 5 سنوات. عليك بالبدلة الجديدة والقميص الزهري. مناسبة للصيف وتليق بك أكثر. تظهرك اكثر حيوية. استجاب لرأيها وغير ملابسه بسرعة. استعمل عطراً فرنسيا وارتدى حذاء لامعا. نظر الى نفسه في المرآة وسمع صوت زوجته تقول الله يحرسك ويحميك من العين. انطلق مراد الى العنوان حيث يسكن زميله. اندهش من فخامة المبنى المكون من طابقين وجداراً يخفي خلفه حديقة جميلة فيها جدول ماء صناعي يصدر خريرا يضاهي صوت الجداول الطبيعية. استقبله زميله خليفة امام بوابة معدنية ذات نقوش بديعة تفضي الى ممر حجارته صقيلة لامعة تميل الى اللون الاحمر وعلى جنباته توزعت شجيرات صغيرة كثيرة الازهار بينما تحيط بالبوابة شجرتا ياسمين ينبعث منهما شذى فواحٌ يتسلل الى أنفك ما إن تعبر الممر الى بهوٍ فسيح تناثرت في أرجائه الفرش و الوسائد الوثيرة على سجاد بديع يغطى كامل الارضية. انتحى خليفة بمراد جانبا وشكره بحرارة على تلبية الدعوة معتبرا ذلك تشريفا كبيرا له. توالى توافد الضيوف الذين لم يكن يعرف أي أحد منهم. شعر لوهلة أنه دخيل على الحاضرين. اخذ الضيوف مجالسهم وبدأت اصواتهم تتداخل فتعلو حينا وتنخفض حينا، ضحكات مجلجلة تختلط بنداءات. وجد نفسه قرب مجموعة من الضيوف الذين لا توجد بينهم سابق معرفة هم أيضا. بدأ أحدهم الحديث عن آخر موديلات السيارات فجذب حديثه الباقين وتشعبت بهم الاحاديث فخاضوا في مواضيع شتى بدأت أسعار السيارات وانتهت بوجهات السياحة المفضلة قبل ان يتوقف الجميع عن الحديث. كان خليفة قد دخل البهو حاملا وليده ابن الخمسة اسابيع في ثوب ابيض ناصع مرتديا طربوشا احمر يكاد لا يثبت على رأسه الصغيرة. تحلق الجميع حول الصبي يباركون ويكبرون في الوقت الذي كان الزهو والفخر واضحين مرتسمين على تقاسيم خليفة. وبعد مضي دقائق قلائل أعاد الوالد وليده الى داخل البيت وتعالت حينها اصوات نساء البيت بالاهازيج مختلطة بالزغاريد مما أشاع جو من البهجة والحبور بين الضيوف الذين سرعان ما انغمسوا في أحاديث جانبية قطعها بدء حضور صحون الطعام. توزع الحاضرون كيفما اتفق في حلق متجاورة ووضعت أمامهم اطباق صغيرة متنوعة وطبق كبير للوجبة الرئيسية عبارة عن طاجن به قطع اللحم والخضار والبرقوق مع مرق عسلي اللون خفيف في حين كانت حبات السمسم المحمصة منثورة في الطبق بسخاء. طبق يسيل له اللعاب حقا.
كاد مراد ينسى الامر الذي جاء خصيصا من أجله. كان يريد ان يقابل المسؤول الأمني وجهاً لوجهٍ ليكون عنه انطباعاً يزيح آخر ظلال القلق من نفسه. انتبه ليدٍ تربت على كتفه الأيمن. استدار ليجد خليفة يبتسم له ويقول هل يمكن اقتطاع جزء من وقتك الآن للتعرف على شريكي. تبع مراد خليفة الى غرفة جانبية بها أكثر من صالون جلوس. أهلا أهلا بالسيد مراد. كانت هذه كلمات المسؤول الأمني الذي عرّف بنفسه قائلا اخوك العبد الضعيف عبد المجيد معروف البدوي. لواء في الاستخبارات العامة. مد يده مصافحا وهو يقول حدثني عنك خليفة وهو يثني عليك وعلى سمعتك. ولا أخفي عنك اني قمت بإجراء تحريات خاصة عنك ولم أجد اي شائبة. خرج صوت مراد متلعثما مصحوبا بحشرجة حفيفة قائلا الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. لم أكن أظن ان الموضوع سيصل الى درجة اجراء التحريات. لا عليك يا مراد . هو أمر تعودت عليه بسبب طبيعة عملي. لم نجد حتى مخالفة بسيطة. ليت كل المواطنين يتحلون بمثل انضباطك. سيكون لعملك راتب شهري مناسب بالاضافة الى مردودٌ ماليٌ مجزٍ كنسبة من الارباح. متى تستطيع ان تبدأ معنا.
لم تمض أشهر قليلة حتى كان مشروع المقهى حقيقة ناجحة على ارض الواقع يلاقى رواجا هائلا للجودة والسمعة التي يتمتع بها جميع العاملين فيه. لم يقتصر الرواد على شباب الحي فقط ، بل تخطت شهرته فأصبح مقصدا لكل الطبقات من مناطق عديدة. كان مراد مثالا للانضباط وحسن التعامل مع العمال الذين كانوا يرتاحون لوجوده بينهم بقدر نفورهم من وجود خليفة أو رعبهم من لواء الاستخبارات عبدالمجيد البدوي . وفي يوم من الايام اتصل اللواء بمراد طالبا منه سرعة الحضور للمقهى في غير موعده. شعر مراد بقلق فغادر المدرسة مخترعاً عذرا لغيابه امام مدير المدرسة. كان عبدالمجيد في انتظاره . دلفا الى داخل المقهى وجلسا في ركن منزوى. قال اللواء هذه المرة لدي خبر مهم جدا بحيث لم يكن من الممكن التحدث عنه عبر الهاتف. شعر مراد بتزايد القلق. دعنا ندخل في الموضوع مباشرة يا مراد. الموضوع خطير. البلد تمر بمرحلة فيها بعض القلق. وكما هي العادة سيتم اجراء حملات امنية ستطال بعض المساجد ، منها مع الاسف الشديد المسجد الذي تواظب فيه على الصلاة. لذلك احببت ان تكون على علم تام بهذه الحملة بحيث يمكن لك ولمن تعرف من اهل الصلاح بان يختاروا اماكن اخرى خلال وقت الحملات. الموضوع خطير جدا ويستلزم الحذر والسرية الكاملة بحيث لا يمكن لك ان تذكر مصدر هذه المعلومة ولا ان تأتي على ذكرها اثناء المحادثات الهاتفية. اظهر مراد رباطة جأش وقال بهدوء شكرا على الثقة وسأعمل بالنصيحة، والحق ان كثيرا من الشباب الابرياء يذهبون ضحية لمجرد تواجدهم. نظر اللواء الى خارج المقهى وزفر بصوت مسموع. قال هل تظن اننا لا نعرف ذلك. هذه ضرورات أمنية ستفهمها في يوم من الايام. الحملة ستبدأ من الجمعة المقبلة وتستمر لمدة شهر كامل في كل جمعة. سوف لن آخذ من وقتك اكثر من هذا وشكرا على سرعة الحضور.
واصل مراد حياته كالمعتاد . يصلى الفجر حاضرا في المسجد، ثم ينطلق الى المدرسة صباحاً ، يعود للبيت للغداء والراحة ثم يخرج للمقهى عصراً الى ما قبل صلاة العشاء التي يحرص على ادائها في البيت. تردد في البداية في كيفية نشر خبر الحملة الامنية بين رواد المسجد لكنه عز عليه ترويع الناس البريئة في معتقلات الامن. ذكر الامر كشائعة وصلته بين زملائه المدرسين وموظفي المدرسة لقربها من المسجد. وهكذا انتشر الخبر بسرعة حتى انه وصلته تحذيرات من اشخاص متفرقين تنصحه بعدم التردد على مسجد المنطقة. بعضهم قال ان المسجد سيطرت عليه جماعة منحرفة العقيدة وانها تحارب المذاهب ولا تأخذ الا باقوال مشايخ من خارج الوطن. بعضهم قال صراحة المسجد به عناصر متطرفة تجند الشباب وترسلهم للجهاد خارج البلاد. وبعضهم ذكر اسبابا اخرى. اندهش مراد من سرعة انتشار الشائعة وتفسيراتها المتنوعة. وذات يوم عاد الى بيته قبل العشاء ليجد زوجته وبعض اقاربها في حالة من القلق والاضطراب. قالت زوجته ان شقيقها وقع في قبضة الحملة الامنية لمجرد تواجده في خيمة لحفل زفاف في المنطقة. أسقط في يد خليفة. لم يصدق أذنيه. لم يسمع أن الحملات الأمنية تداهم الاعراس من قبل. صبيحة اليوم التالي رن جواله. كان اللواء على الطرف الآخر يحمل له بشرى قائلا ان بامكانه ان يذهب صحبة خليفة لقسم الشرطة في مدينة مجاورة لإحضار صهره. أدت عملية الافراج الى فرحة غامرة شملت كل الاطراف. وشعر مراد بعدها بالامتنان للواء الامن البدوي الذي بادر بتقديم عرض له للإنضمام لصفوف الأمن . لم يتردد مراد كثيرا في قبول العرض. كان عمله في المدرسة وفي المقهى غير كافيين لتحقيق حلمه بالانتقال لمسكن فاخر من طابقين كزميله. ولم يمض وقت طويل حتى كان مراد عبدالله المبروك قد عاد من دورة في التجارة و الاقتصاد في الخارج وبدأ طورا جديدا في الحياة يخطط فيه للحصول على فيلا تقع على أطراف المدينة ملحق بها مزرعة متكاملة. شيء واحد فقط لم يستطع التخلص منه طيلة هذه السنوات : رعب التحول الى يرقة .

مروان ومسعود

شعر مروان ابن الخامسة والعشرين بالرضا التام عن وجبة الأرز التى فرغ لتوه من تناولها. كانت وصفة معقدة وتحتاج لمهارة فائقة لاعدادها. لم يكن الكثيرون يعلمون بمهارته هذه. فهي مهارة إكتسبها في الأشهر الأخيرة أثناء عمله في مطعم هندي. تمنى لو أن زميله مسعود معه ليتقاسما الوجبة. فمسعود وحده من سيقدر الرضا الذي يشعر به.
عاش مروان سنواته كلها في كنف عائلة ثرية مقربة جدا من السلطة مما ضمن له كل ما يمكن لإنسان أن يحلم به. حتى الدراسة لم يبذل فيها جهدا يذكر رغم ذكائه المتوسط . جاءته شهادته الجامعية بفضل مكانة أسرته التى أقامت حفلة ضخمة بمناسبة نجاحه في أحد أفخم فنادق المدينة. تلقى في تلك الليلة هدايا لا أول لها ولا آخر. أهداه مسؤول سيارة فاخرة في حين منحه والداه شقة بكامل أثاثها. في تلك الليلة بدأت معاناته .
في صغره لم يكن يفهم الحراسة الشديدة التي تحيطه بها أسرته. كانوا يحدثونه عن أهمية التقيد بالتعليمات وأهمية الحذر من الغرباء. لم يكن يسمح له باللعب العفوي. لا في الشارع ولا في المدرسة. كان زملاء الدراسة يتجنبونه رغم تودده إليهم. مع الأيام اكتشف أنهم كانوا يخافون بطش أسرته وسمعتها الرهيبة. فقط مسعود هو الوحيد الذي تجاسر وأقام معه صداقة تقوم على الندية. احتفظ بصداقة مسعود طيلة سنوات المرحلة الثانوية ليتخرجا لاحقاً من نفس الكلية.
كان مروان يرغب بشدة في أن يحضر مسعود حفلة التخرج التي أقامتها عائلته. وتخلى عن هذه الرغبة عندما علم ان الحفلة ستقام في مكان شديد الحراسة لحماية الشخصيات المهمة التى ستحضرها، فقرر أن يستعيض عن الحفلة بدعوته للسفر للخارج في إجازة قصيرة. وافق مسعود على فكرة السفر مسرورا طالما أن مروان سيتكفل بالمصاريف.
قبرص هي الوجهة التى استقر عليها اختيار مروان. كان الموسم صيفا و الحرارة نهارا مرتفعة لتصبح مقبولة مع حلول المساء بسبب النسيم الذي يجعل الجو رائعا. وانغمس الشابان في كل ما يمكن ان يتاح لهما من المتع. ليلة بعد ليلة. وفي صباح اليوم ما قبل الأخير بدأت حياة مروان الجديدة.
جلس مروان لتناول الافطار. لاحظ مسعود ان مروان اكتفى فقط بالقهوة على غير العادة. نظر إليه وسأله ان كان يشعر بتوعك. بادله مروان النظر دون ان يجيب. ثم شرد بنظره إلى الشاطىء القريب. إلتهم مسعود إفطاره بشهية مفتوحة ولم يأبه لشرود صاحبه. هذه حالة تنتابه منذ ان عرفه. يشرد مروان فيبدو وكأنه يعيش في عالم منفصل. تكتسب تقاسيم وجهه ملامح متباينة. احيانا يبدو عليه الغضب الشديد. احيانا اخرى يتملكه وجوم عميق. بل احيانا يبدو وكأنه يتابع حدثا سعيدا فتنفرج اساريره.
قطع مروان شروده. قال بأنه ليس متوعكا . ابتسم مسعود ظنا منه ان نهاره سيكون واعدا كسابقيه. احتسى فنجان قهوة إضافيا قبل ان يقف استعدادا للخروج. سمع صوت مروان يطلب منه الجلوس. شيء ما في صوته لم يعجبه. ماذا دهاه ؟. فقد شهيته والآن يريد ان يفسد نهاره بمزاجه المتعكر. نظر اليه مستفسرا. قال مروان ان لديه موضوعا يريد ان يعرف رأيه فيه ولكنه لا يعرف من اين يبدأ. كان صوت مروان لا يبشر بخير ، بل فيه نبرة لم يعهدها من قبل. شعر بالانزعاج من مزاج صاحبه.
جلس مسعود وكله فضول. اقبل بكليته على صاحبه. هل رأيت كابوسا الليلة او سمعت خبرا سيئا ؟ ما بك على غير عادتك. قال مروان. اسمع يا مسعود انا كهذه الجزيرة الساحرة منقسمة على ذاتها منذ اكثر من 40 عاما. وسبب الانقسام هو عدم اطمئنان القبارصة الاتراك للقبارصة اليونانيين الذين يشكلون الاغلبية. ابتسم مسعود قائلا. لم يكن في علمي انك اصبحت جزيرة.
كتم مروان ضحكته. وخبط براحته كتف مسعود. انا فعلا جزيرة. هذا هو الوصف المناسب تماما لمن هم في مثل وضعي. تعجب مسعود. واصل مروان الحديث لمدة تزيد عن الساعة دون انقطاع. شعر مسعود بأن صديقه الذي عرفه طيلة 3 سنوات في الثانوية واربع سنوات في الجامعة فعلا يعني ما يقول. انت فعلا جزيرة يا رجل. كان مسعود يعتقد ان حياة مروان هي الوجه المحظوظ للدنيا. الحظ هو المال والجمال والنفوذ والصحة مجتمعة. وهذه كلها متوافرة في حياة مروان. لكنه اكتشف خلال الساعة الاخيرة ان عليه مراجعة نظرته للدنيا ووجهها الضاحك المحظوظ.
تحدث مروان خلال الساعة عن شعور سيطر على نفسيته خلال السنوات الاربعة الاخيرة هي فترة الدراسة الجامعية. كانت هذه اول مرة يفاتح فيها شخصا بهمومه المتعلقة بهذا الشعور. لم تكن العبارت تسعفه . خرجت متقطعة بصوت متردد. خلاصة الكلام انه يشعر بعبثية الحياة .
اضطرب مسعود قليلا في اول الامر. ثم تابع باهتمام متزايد ودهشة متعاظمة حديث صديقه. كان يراه يشارك في الحفلات الجامعية وفي النشاطات الرياضية و حلقات النقاش. روح وثابة ونفس متفائلة. يحصل دائما على ما يريد ويعرف تماما ما يصبو اليه. محسود ومهاب في آن واحد. طريق النجاح مفروشة امامه وتنتظره اكثر من عروس. فكيف تكون الحياة عبثية بالنسبة اليه. ماذا يعرف مروان اصلا عن عبثية الحياة.
فجأة نبعت فكرة في خاطر مسعود جعلته يرتعد فزعا . قال ما دمنا لن نخرج هذا الصباح فلا بأس من النزول الى المسبح للتشمس ومواصلة حديثنا هناك. انطلق الى غرفته وعاد مرتديا ملابس مناسبة. وافق مروان على مضض. نزلا الى الاسفل . اتخذا ركنا قصيا مشمسا. غطسا معا ثم تسابقا عدة مراحل. جففا جسديهما بالمناشف ثم استلقيا على كرسيين متجاورين. جاء النادل فطلبا شرابا باردا.
يا ترى هل يتلاعب به. هل هو فخ لاستدراجه لشيء لا يعرفه. ام هل كان ما سمعه مزحة ثقيلة. ما يدريه. لعلها كاميرا خفية. وفي اسوأ الاحوال ينبغي عليه التأكد ان مروان لا يحمل اجهزة تسجيل تحت ثيابه. من هنا جاء اقتراحه بالسباحة والتشمس. تنهد مسعود مسترخيا في كرسيه. وطلب من مروان ان يعيد ما قاله على مائدة الافطار . عاش نفس الساعة مرة ثانية. هذه المرة شعر بانه مغفل كبير. كانت آخر جملة قالها مروان انه يطلب مساعدته لكي ينتحر.
حدق مسعود غير مصدق في وجه مروان. انتصب واقفا ثم شعر بغثيان . لم يتمالك نفسه. فأفرغ ما في جوفه. شعر بالاعياء فتكوم في اول كرسي. لم يفسد نهاري فقط ، بل افسد الاجازة كلها . تساءل ماذا يدور في عقل مروان. كيف يجرؤ على التفكير بالانتحار كمخرج من وضعه. ثم لماذا يقع اختياره علي انا. من سيصدق انه انتحر برغبته. ستلصق بي التهمة. وحتى اذا اثبتت التحقيقات في قبرص براءتي فسوف لن استطيع العودة الى بلدي. من المؤكد ان اسرة مروان ستحملني المسؤولية كاملة وسوف ينتقمون مني وينكلون بعائلتي. كارثة محققة.
تذكر ماذا حدث مع زميل لهما اثناء السنة الاولى بالجامعة حين وقع كثير من شباب الدفعة في غرام طالبة زميلة لهم. لكنها كانت مخطوبة لابن عمها الذي كان يدرس في كلية مجاورة. لكن مروان لم يستطع كبح جماح غيرته. وبقدرة قادر تم تلفيق قضية آداب لخطيبها قضى بسببها عدة اشهر في السجن. وتم نقل محل عمل والد الطالبة الى مدينة بعيدة مما اضطر الطالبة لنقل قيدها الى تلك المدينة الصحراوية. عندها فقط شعر مروان بالرضا. هذا الجانب في شخصية مروان هو المعروف عنه فهو لا يقيم ادنى اعتبارات للناس ممن هم دونه. يدوسهم كما يدوس على حشرة ضارة وكأنه يقدم خدمة للبشرية. بعد فترة طويلة من الصمت المتبادل قررا التمشي على الكورنيش الطويل قبل اشتداد الشمس. صعدا الى غرفتيهما. غيرا ملابسهما بعد حمام سريع.
كان مروان متوترا بعض الشيء. ردة فعل مسعود لم تكن مفاجئة. غثيان وتقيؤ ثم وجوم. هل هذا كل شيء. كان يتوقع ان يقوم بتعنيفه وتوبيخه او بنصحه وتذكيره بقدسية الموت وحرمة الانتحار. على الاقل ان يبدي قليلا من الاهتمام بوضعي النفسي المزري. اما ان يتجاهلني تماما ويغرق في الصمت فهذا آخر شيء أتوقعه من مسعود.
قطع مروان حبل الصمت قائلا انه يشعر بالراحة وبالامتنان بعد ان افضى برغبته ، ثم اضاف انه يرجو ان لا يكف عن اعتباره صديقه. قاطعه مسعود ساخرا الصداقة تعنى وجود شخصين على الاقل. وانت تفكر فقط في نفسك فقط. هل فكرت فعلا ماذا سيكون وضعي اذا اصابك مكروه . بالنسبة اليك ستنتهي كل معاناتك. لكن ماذا عني؟ ثم كيف تسميها صداقة وانت اخفيت عني هذا الامر كل هذه السنوات. انت فعلا جزيرة بلا جسور ولا حتى انفاق. انت تشعر بالراحة وانا اشعر بالرعب وبالضياع.
شعر مسعود بالضيق. سرح ببصره. كان الكورنيش يسبح في نور الشمس الخالية من السحب. وظهرت زرقة السماء وكأنها تختلط عند الافق بزرقة مياه البحر. رمال الشاطيء ذهبية يخالطها بعض الحصى تتكسر فوقه موجات هادئة فتصنع رغوة خفيفة سرعان ما تتلاشى. ارتطم به متريض فانتبه من شروده. اقترح على مروان ان يواصلا السير . بعد بضعة كيلومترات تجاوزا الفنادق السياحية ووصلا الى منطقة تكاد تخلو من العمران. وجدا مطعما هادئا فقررا التوقف لشرب بعض العصائر الطازجة والاستراحة قليلا.
عاتب مروان صديقه. صارحه بأنه لم يكن يتوقع ان تنحصر ردة فعله فقط في سلامته الشخصية. اخبره بأنه ظل سنة كاملة وهو ينوي الانتحار. وان صداقتهما فقط هي الدافع الوحيد لبقائه حيا. اعتذر مسعود عن ذهوله. كانت الصدمة اكبر من قدرته على استيعابها. وشكر له عاطفته الصادقة. اقترح عليه ان يفكر في حلول اخرى. قال مروان انه لا يكره الحياة نفسها. لكنه يمقت قدره الذي ربط مصيره بمصير عائلة متسلطة متفسخة اخلاقيا تعتقد ان جبروتها يفوق اي سلطة اخلاقية او انسانية. قال انه فكر في ان ينفصل عنهم ويهجر البلاد. لكنهم لن يتركوه وشأنه. بل انهم سوف يلاحقونه وقد يتعرض للخطف والاقامة الجبرية مدى الحياة كما حدث لفلان وفلان. هذه العائلة تنتمي لشريحة من البشر لا تعرف الحرية الشخصية. انت بالنسبة لهم مجرد اداة للهيمنة وزيادة النفوذ مقابل منحك امتيازات تجعلك فوق القانون. يجب ان تتخلى عن كل طموحاتك لتحافظ على طموح وحيد هو استمرار تمتع الاسرة بمكانتها وقربها من النظام.
برقت عينا مسعود. ليس من الضروري ان يكون الانتحار هو المخرج الوحيد. من الممكن جدا ان تنفصل عن اسرتك. ومن المكن ايضا تدبير امر اختفائك . بل من الممكن ايضا فبركة حادثة تنتهي باعلان وفاتك. لكن عندي لك بعض الاسئلة. قاطعه مروان قائلا فكرت في كل هذا. التخلي عن الثراء والشهرة والنفوذ ليس امرا سهلا. بل اراها ضريبة لازمة في حال اخترت الحياة بعيدا عن اسرتي. لكن سيظل الماضي وعائلتي يلاحقانني. البقاء على قيد الحياة مع بتر كامل لجزء من هويتي قد يكون اكثر ايلاما مما انا فيه الآن. تبسم مسعود وقال. لم اكن اعرف انك رقيق وحساس وهش الى هذه الدرجة. كم من زملاء الدراسة الذين تعرفهم شخصيا كانوا مضطرين ان يتنكروا لماضيهم بسبب انتسابهم لعائلات نالها بطش النظام الحاكم. وكم من الاصدقاء الذين يدورون في نفس الفلك الذي تدور فيه انقطعت اخبارهم واختفت آثارهم واختاروا ان يدفعوا ثمنا باهضا للهروب من ما تشكو منه. بالطبع انت لم تفكر دقيقة واحدة بمصائرهم . الحقيقة ان الواقع الحقيقي اوسع بكثير من الشرنقة التي تعيش فيها. الموت ليس حلا على الاطلاق. كلنا سنموت ذات يوم فلا تستعجل. قبل ان نموت ينبغي ان نكتشف كل الاحتمالات. احس مروان بالانزعاج. كلمات مسعود رغم صدقها لكنها لا تعبر عن الواقع. فمسعود يعبر فقط عن واقعه هو ولا يمكنه ان يتخيل الواقع الذي اجد نفسي فيه. ثم لماذا هذه النبرة القاسية في كلامه. الا يكفيني ما انا فيه من بؤس وشقاء لا يعلم به الا الله. شعر مسعود بانزعاج صديقه فندم على صراحته. بادر بالاعتذار عن حدته ونبرته العالية. احضر النادل اطباقا متنوعة منها سلطات وسمك مشوي وبعض المشروبات. فرغ الصديقان من تناول الطعام. وسارا عائدين الى الفندق وخاضا في احاديث متشعبة.
ارتمى مروان على سريره. شعر انه لم يستطع التخلص من تأثير كلمات مسعود المزعجة. الرجل لم يقل شيئا لا يعرفه. بل ان مسعود لا يعرف الحقيقة. والارجح ان ما بلغه لا يزيد عن عشر معشار الحقيقة. فكيف يسمح لنفسه ان يتخذ هذا الموقف المتعالى اخلاقيا تجاه وقائع لا يعلم عنها شيئا. شعر بفورة غضب فمد يده الى ابريق الماء وقذفه بكل قوة على الجدار المقابل ثم غادر غرفته واتجه الى صالونات الاستقبال في بهو الفندق. جلس هناك وحيدا يتابع حركة الناس بدون قصد. عائلة مكونة من اب وام شابين مع طفلين متلهفين للخروج في نزهة. رجل اعمال مستعجل يطلب من موظف الاستقبال مراجعة ترتيبات اجتماعات شركته. جماعة من الشباب تتعالى اصوات صخبهم وضحكاتهم. كان البهو ينبض بالحياة في الوقت الذي تسيطر عليه فكرة مغادرة الحياة نفسها. شعر بصدق كلمات مسعود. لا يوجد داع للاستعجال. قبل استنفاذ جميع الاحتمالات. واحد هذه الاحتمالات يواصل حياته كما هي. وسيحاول قدر الامكان فعل ما يمليه عليه ضميره في الحدود المتاحة. هو في النهاية ليس نبيا تلزمه العصمة. استراح لهذا الاحتمال. قرر ان لا يصارح به مسعودا. اتجه الى موظف الاستقبال واخترع عذرا يبرر به تكسير ابريق الماء. وطلب تنظيف الغرفة في الحال.
في هذه الاثناء كان مسعود يستحم فلم يشعر بشيء. نشف جسمه بسرعة ثم ارتدى ملابس نوم خفيفة واستلقى على فراشه طلبا لراحة خفيفة. استيقظ بعد ساعة على صوت مروان يستعجله. غير ملابسه بسرعة والتحق به. كانت الشمس تضفي على الجدران درجات من اللون البرتقالي. زرقة السماء وزرقة البحر والجو العليل المحمل باريج بساتين الموالح القريبة. كان مروان قد حجز مكانا لهما لحضور امسية في الملاكمة في الهواء الطلق. كان الحضور كثيفا والتشجيع متواصل طيلة المباريات الثلاث. كان اندماج مسعود بالحدث لا يصدق. فهو قد مارس الملاكمة منذ ان كان في الرابعة عشر من عمره الى يومنا هذا. ومع انه لم يحترف يوما الا ان عشقه للملاكمة يدفعه للتمرن 3 مرات اسبوعيا يظهر اثرها واضحا في صلابة جسمه. ثم اعلن المنظمون عن فترة راحة تستمر لمدة ساعة يمكن للحاضرين خلالها التنافس لمدة جولة واحدة تستمر 3 دقائق يغادر فيها الخاسر الحلبة. وفجأة سمع المنظمون يهتف باسمه ويدعوه للنزول. وهكذا وجد نفسه يحقق امنية طالما كان يحلم بها. صمد مسعود امام 4 ملاكمين قبل ان يخرج خاسرا بالنقاط امام في الجولة الاخيرة. ساعده مروان في النزول من الحلبة واتجها مباشرة الى الفندق. كان مسعود يشعر بالألم في انحاء متفرقة من جسده ومع ذلك كان شعور لذيذ بالسعادة يسيطر عليه. غطس في جاكوزي الفندق بعد ان حجز ساعة مساج بعد الجاكوزي.
في هذه الاثناء كان مروان في بهو الفندق ينهي اجراءات الاقامة استعدادا لرحلة العودة غدا صباحا. دفع تكاليف شخصين و حجز تاكسيا للمطار . وصعد الى غرفته. لم يمض وقت طويل قبل ان يلتحق به مسعود بادي الرضا. تبادلا حديثا عن براعة مسعود وموهبته في الملاكمة. قال مروان انه متأكد مسعود خامة فريدة وموهبة حقيقية . شكره مسعود ثم خرجا لتناول وجبة عشاء خفيفة.
قال مروان بل انت من يستحق الشكر. فعلا الحياة تستحق ان نعيشها يوما بيوم. كل من موقعه الذي اختاره له القدر. كنت ابحث عن وسيلة للتخلص من هذه الحياة الثقيلة المزعجة وتناقضاتها الصارخة . وكنت انت الوحيد الذي يمكنني ان اذكر له افكاري السوداوية. ردة فعلك جعلتني اراجع نفسي. ولابد من الاعتراف بجميلك الذي لن انساه ما حييت.
انقضى الوقت سريعا. وبعد نوم خفيف وجد الصديقان نفسيهما في الطريق الى الطائرة. دخلا المطار وعند انهاء اجراءات السفر تبين ان مسعود قد نسي بعض اوراقه الرسمية وتذكرته في الفندق. اتصل بالفندق وطلب منهم حجز جديد لشخص لمدة ليلة فقط. بقي في المطار في انتظار توديع مروان. انهى مروان اجراءاته واتجه الى صالة الركاب المغادرين . قال لمسعود انه سيكون غدا في انتظاره في المطار.
عاد مسعود للفندق، دفع كامل المستحقات وغادر على عجل. وفي اليوم التالي كان مروان في انتظاره حسب الاتفاق الا ان مسعودا لم يكن على متن الطائرة. استغرب مروان كثيرا . وخلال الايام التي تلت لم يظهر اي اثر لمسعود. اتصل بعائلته التي كانت في غاية القلق لانهم ظنوا ان ابنهم كان في صحبته. مرت اسبايع دون ان يعثر على اي خبر عن صديقه، في حين سيطر اعتقاد لدى عائلة مسعود ان ابنهم ذهب ضحية طيش مروان ونزواته. لم يستطيعوا حتى الافصاح عن ما كان يدور في افكارهم خوفا من بطش النظام. وانقطع اتصال مروان بالعائلة وواصل حياته وكأن شيئا لم يحدث. وبعد مرور سنتين قضى مروان نحبه في حادث سيارة. واقامت اسرته سرادق عزاء مع الحرص على قراءة 40 ختمة قرآن على روحه الطاهرة خلال ايام العزاء الثلاثة.
كان مسعود خلال هذه السنتين قطع صلته تماما بماضيه . غادر قبرص في الليلة نفسها. كانت مصارحة مروان له نذير شؤم. لم يستطع التخلص من فكرة ان مروان كان يختبره. يا ترى هل كان يريد تجنيده. هل كان يريد استغلاله في علاقات مشبوهة. هل فعلا غير مروان افكاره السوداوية بهذه السهولة. ماذا سيحدث له لو عاد . وماذا سيحدث لاسرته . كانت هذه الاسئلة تعنى شيئا واحدا. عليه الاختفاء وعدم العودة حتى يقضي الله امرا.
كان مروان قد اخذ بنصيحة مسعود. استغرق منه الامر سنتين كاملتين من التدبير والتخطيط لقطع علاقته بالماضي.

الشرط

جلست امامه كعادتها كل مساء. 6 اشهر مضت منذ ان انتقل اليها. كان عالمها. وكان هو في عالم آخر. هذا المساء شعرت بشيء غير مألوف في نظراته. في عينيه قلق. قبلت جبينه وخرجت لتلحق بالمناوبة الليلية كممرضة متمرسة في المستشفى الجامعي. كان الجو في الخارج يميل الى البرودة لكن سعيدا الذي اكمل عامه الخامس والثلاثين قبل اسبوع شعر بجو الغرفة يخنق انفاسه ، فاسرع يفتح شباك النافذة.  تسرب نسيم عليل عبر النافذة منذرا بقرب انتهاء موسم الصيف القصير. سحب شهيقا عميقا ملأ به صدره ثم قرر التمشي قليلا لعله يجد في ذلك بعض الراحة. قطع بضعة كيلومترات قبل ان يجد نفسه واقفا امام باب المسجد المغلق. تعجب كيف قادته قدماه الى هذا الباب في هذه الساعة المتأخرة من الليل. كانت هذه هي المرة الثانية. تنهد ثم عاد ادراجه. اغتسل واندس في فراشه ونام في وقت قصير.

شقته في الطابق الرابع تطل على حديقة مترامية الاطراف محاذية للنهر. وعلى الجانب الآخر من النهر تقع محطة القطار. عادت ماريا من عملها واعدت افطارا خفيفا لهما. استيقظ على صوتها تدعوه للفطور. جلسا قبالة النافذة الصغيرة في مطبخهما الصغير في حين نشرت اشعة الشمس الضعيفة ضوءها الباهت على جدارن المطبخ. احتسى قهوته سادة من غير سكر. واكل بيضة مسلوقة وبعض الجبن الابيض. كانت تبحث عن عينيه. لم تجد اثرا للقلق. استغربت. سألته فتهرب من الاجابة. لعله الارهاق. فهو يعمل في محطة القطارات في قسم شحن البضائع. اقنعت نفسها بذلك. طبعت قبلة على جبينه، ودخلت لتأخذ قسطها من الراحة في حين خرج هو ليلحق بعمله.

قطع المسافة الى عمله في وقت وجيز. عبر الجسر، ثم انعطف في اول شارع على يساره. وجد نفسه امام ساحة فسيحة تتوسطها بركة صغيرة ذات نوافير. تبادل بعض التحايا مع زملائه. بحث عن زميله منصور فقيل له انه متوعك ولن يحضر هذا اليوم. انزعج قليلا ثم انهمك في العمل. مضت ساعات وهو مستغرق في اداء مهام مختلفة دون ان يشعر بمرور الوقت. في الاستراحة الاولى شارك مجموعته في تقديم هدية لزميلهم بمناسبة مولوده الاول. اخفى حقيقة مشاعره المتضاربة عن الجميع. وحمد الله ان منصورا لم يكن حاضرا اليوم. كان مع منصور وماتياس يشكلون فريق عمل واحد معروف بالانضباط والجدية كما هو معروف بقوة علاقاتهم اثناء العمل وخارجه. ثلاثتهم كانوا يعرفون بعضهم قبل ان يلتحقوا بمحل عملهم الحالي. وثلاثتهم في سن متقاربة.

سار منحدرا مع ضفة النهر الى حيث تقوم بناية ضخمة تتوسط المدينة. مر بعدد من المحال التجارية و عدد من المطاعم قبل ان يقرر زيارة صديقه منصور. دلف الى اقرب محل زهور واشترى باقة صغيرة مع بطاقة مكتوب عليها: بالشفاء العاجل. استقبله زميله بفرحة. وبعد قليل انضم ماتياس اليهم. كانوا يعرفون بعضهم جيدا ويتبادلون ادق تفاصيل حياتهم فيما بينهم. وكان منصور يشعر بانه الاخ الاكبر لثلاثتهم. قال ماتياس انه يشعر بالفخر لكونه مقبلا اخيرا على الاستقرار وتكوين عائلة بعد حياة جامحة. لم يبق ماتياس طويلا. كان شوقه لرؤية وليده واضحا. ضحك الجميع من التغير الذي طرأ عليه.

بعد انصرافه عاد سعيد الى بيته. كانت ماريا قد اعدت الغداء. اقبل على الاكل بشهية مفتوحة. وتبادلا اطراف الحديث. اخبرها عن مرض منصور، وعن فرحة ماتياس وتغيره بعد ان اصبح ابا. كان يتدفق في الحديث. تعجبت في نفسها . بالامس كان ساهما واجما وفي عينيه قلق دفين. واليوم يسترسل في الحديث. اخبرته بملاحظتها. ابتسم. مرر يده على خصلات شعرها. اخبرها بحيرته هو من تضارب مشاعره تجاه التغير الذي يعيشه ماتياس. اخبرها انه فكر طويلا في الانجاب. استنار وجهها. لاحظ ذلك. دخلا في حوار طويل خلاصته انه يريد ان يقضي بقية حياته معها وان تكون لهما ذرية تملأ البيت عليهما ، وان العقبة الوحيدة هي انه يريد لذلك ان يحدث في اطار الزواج. طفرت من عينيها دموع فرح. اخبرها انه احتفظ بهذه الرغبة لنفسه لمدة طويلة. تجاوبت معه. اخبرها بوقوفه امام باب المسجد ليلا. تعجبت فهو لا يمارس شيئا من واجباته الدينية. ولم يظهر لها انه في اعماقه يقدس دينه. طال الحديث وتشعب. دخلا في تفاصيل كثيرة. وافقت على اجراء عقد الزواج في المسجد فشعر بارتياح كبير وسعادة غامرة. قبل جبينها قبل خروجها للعمل.

خطرت في باله فكرة عزم على تحقيقها على الفور رغم تعبه من عمل اليوم الطويل. خرج مسرعا. كان رذاذ المطر يغسل اسفلت الشوارع الخالية تقريبا من المشاة. عند وصوله الى مبنى الكنيسة الحجرية انعطف يمينا ، و واصل طريقه عبر طريق ضيقة مبلطة بالحجارة متجاوزا المقبرة القديمة. استحضر وقوفه كإشبين في قاعة الكنيسة الى جانب ماتياس قبل اقل من عام. من يدري من سيقف الى جانبه حين تحين مراسم زواجه. وجد نفسه امام باب المسجد. تردد قليلا ثم عبر باب المسجد. حرص على تقديم قدمه اليمنى. تذكر حرص المرحوم والده حينما كان يرافقه لصلاة الجمعة قبل اكثر من ثلاثين عاما. الحرص نفسه. سرت رعدة في اوصاله حين تذكر انه على غير طهارة منذ وقت طويل. لهج لسانه بالاستغفار وكاد يخرج. كان رواد المسجد قد فرغوا من اداء صلاتهم الاخيرة لهذا اليوم. توقف حينما سمع احدا يسأله عن حاجته. اخبره بأنه يريد مقابلة الامام لأمر شخصي. تهلل وجه السائل. قاده الى غرفة جانبية مكتوب على بابها غرفة الامام. كان الامام رجلا في حوالي الخمسين من العمر. نحيلا. حاد النظرات. يرتدي عباءة تقليدية. ويضع على رأسه طاقية خضراء. بدأ الامام في سؤاله عن اسمه و جنسيته، واذا ما كان يفضل الحديث بالعربية. تماسك سعيد واظهر قدرته على تحدث العربية بلكنة مغاربية واضحة. انبسطت اسارير الامام وسأله مستفسرا عن احواله. تبادلا حديثا سطحيا فترة من الزمان، ثم سأله الامام عن سبب مجيئه هذه الليلة. اطلق سعيد تنهيدة طويلة وطأطأ رأسه . لم يشأ ان يراه احد باكيا. ادرك الامام ما يعانيه. سمع صوت الامام يخفف عنه واحس بيده تربت على كتفه. تماسك سعيد ومسح دموعه قبل ان ينصرف شاكرا للامام على المقابلة. وقف استعدادا للمغادرة. رافقه الامام الى باب المسجد واخبره ان بامكانه ان يأتي اليه في اي وقت يريد ، واعطاه رقم هاتفه.

سلك سعيد دروبا مختلفة في طريق عودته. تقاذفته مشاعر متنوعة. ولم يكن يعرف لذلك سببا معينا. كان يتعجب احيانا من صلابة الايمان في داخله في الوقت الذي لم يكن لهذا الايمان اي اثر على سلوكه. وللدقة فقد كان جانب كبير من اخلاقه العملية كالصدق والوفاء وتقديم يد العون للمحتاج يرتكز في اساسه على تربيته في اسرة مسلمة. قناعاته الدينية بسيطة وتقوم على ان الدين مسألة روحية. علاقة تقوم على المحبة. وان الخالق عليم بنوايا مخلوقاته. وان عليه فقط تنظيم شؤون حياته بطريقة عملية. هذه الليلة شعر بنقص معارفه الدينية. وبدا له أن الامام يملك قدرا كبيرا من الحكمة والحنكة في التعامل مع الناس. خصوصا بعدما اخبره انه لا يقوم بفروضه الدينية كما ينبغي له كمسلم. كان يتوقع ان يبدي الامام امتعاضه من هذا الامر بالذات. لاحظ ان توقعه لم يكن في محله. ولاول مرة شعر بالارتياح لرجل دين. وصل الى شقته. تذكر موضوع الطهارة ، وكان في حاجة الى الاغتسال. استرجع بسرعة الطريقة الصحيحة. واغتسل. لم يشعر باي فرق. دخل الى فراشه ونام نوما عميقا.

وصل عمله مبكرا. كان يشعر بخفة ونشاط. مضى نهاره كالمعتاد. فرغ من العمل. فكر مليا في الاتصال برقم هاتف الامام. عزم على ان يكون واضحا ومحددا في طلبه. استقر رأيه على ان يقوم بزيارة المسجد. اتصل بزوجته. اخبرها بأنه سيتأخر لبعض الوقت حتى لا تنتظره على الغداء. ثم انطلق بخطوات سريعة الى المسجد. انضم الى صفوف المصلين. تقابلت نظراته مع نظرات الامام الذي هز رأسه محييا. تبع الامام الى غرفته. حياه الامام على عودته السريعة.دخل سعيد في صلب الموضوع. سرد على الامام تفاصيل حياته. وكيف انه بعد طول معاشرة مع من يراها هبة السماء له قرر ان ينجب اطفالا ، وانه يريد لذلك ان يحدث في اطار زواج شرعي، وانه يرغب في اقامة حفلة صغيرة في حضور والديه و صديقيه منصور وماتياس كشاهدين وماريا ووالدها وشقيقتها.

طال صمت الامام حتى ظن سعيد انه لن يقبل باجراء عقد القران. فقام من كرسيه ومد يديه ليصافح الامام. قطع الامام صمته قائلا : يا ولدي انا لي شرط وحيد فقط حتى اوافق على اجراء عقد قرانك. رجاء تفضل بالجلوس. انت تقول ان ماريا هي هدية السماء اليك. وانا اصدقك واتمنى لكما السعادة من كل قلبي. شرطي هو ان تقيم حفلتك الصغيرة بعد 3 اشهر من الآن وسوف اقوم حينها بعقد قرانك بكل سرور اذا طبقت شرطي الوحيد. فكر سعيد في ما يمكن ان يشترطه عليه الامام. هل سيطلب منه ان تضع ماريا حجابا اثناء عقد القران. هل سيطلب منها ان تشهر اسلامها وهي المسيحية. هل سيطلب منه مبلغا ماليا باهظا . شعر بالحيرة. تردد قليلا قبل ان يطلب معرفة الشرط. في البداية لم يستوعب الكلمات التي تلفظ بها الامام. سمع الامام يكرر العبارة : ( شرطي هو ان لا تعاشر ماريا خلال هذه المدة . وانا على يقين بانك اذا كنت فعلا تحبها محبة خالصة من اعماقك فسوف تقبل بهذه التضحية الصغيرة كدليل على جديتك) .

شعر سعيد بالدوخة. كانت اجابة مباغتة. شرط لم يخطر له في الحسبان. شعر بالغثيان. ماذا سيقول لماريا اذا وافق على هذا الشرط الغريب. ما علاقة الامام بحياته الشخصية حتى يشترط هذا الشرط الوقح. بدأ يشعر بعدم الارتياح. اخبر الامام بانه يحتاج لمهلة للتفكير. ثم انصرف وهو يشعر بالغضب. شعر وكأن خصوصياته تعرضت للانتهاك. ندم انه فكر مجرد التفكير في الاستعانة بامام. وعزم على ان لا يعود مطلقا لهذا المسجد. قطع المسافة الى بيت صديقه منصور وهو لاهث الانفاس. وجد ماتياس هناك. لم يستطع سعيد السيطرة على غضبه فانطلق يسب ويشتم. لم يستوعب ماتياس حراجة الموقف. اما منصور فقد استلقى على ظهره من الضحك.

في الاسبوع التالي حضر منصور بصحبة رجلين احدهما امام المسجد الذي يصلي فيه الى منزل صديقه سعيد وتمت اجراءات عقد القران بكل يسر وسهولة. وخرج جميعهم بعدها لمطعم قريب احتفاءً بهذه المناسبة المهمة في حياة سعيد. يومها فقط شعر سعيد بان عالمه قد اكتمل.