شعر مروان ابن الخامسة والعشرين بالرضا التام عن وجبة الأرز التى فرغ لتوه من تناولها. كانت وصفة معقدة وتحتاج لمهارة فائقة لاعدادها. لم يكن الكثيرون يعلمون بمهارته هذه. فهي مهارة إكتسبها في الأشهر الأخيرة أثناء عمله في مطعم هندي. تمنى لو أن زميله مسعود معه ليتقاسما الوجبة. فمسعود وحده من سيقدر الرضا الذي يشعر به.
عاش مروان سنواته كلها في كنف عائلة ثرية مقربة جدا من السلطة مما ضمن له كل ما يمكن لإنسان أن يحلم به. حتى الدراسة لم يبذل فيها جهدا يذكر رغم ذكائه المتوسط . جاءته شهادته الجامعية بفضل مكانة أسرته التى أقامت حفلة ضخمة بمناسبة نجاحه في أحد أفخم فنادق المدينة. تلقى في تلك الليلة هدايا لا أول لها ولا آخر. أهداه مسؤول سيارة فاخرة في حين منحه والداه شقة بكامل أثاثها. في تلك الليلة بدأت معاناته .
في صغره لم يكن يفهم الحراسة الشديدة التي تحيطه بها أسرته. كانوا يحدثونه عن أهمية التقيد بالتعليمات وأهمية الحذر من الغرباء. لم يكن يسمح له باللعب العفوي. لا في الشارع ولا في المدرسة. كان زملاء الدراسة يتجنبونه رغم تودده إليهم. مع الأيام اكتشف أنهم كانوا يخافون بطش أسرته وسمعتها الرهيبة. فقط مسعود هو الوحيد الذي تجاسر وأقام معه صداقة تقوم على الندية. احتفظ بصداقة مسعود طيلة سنوات المرحلة الثانوية ليتخرجا لاحقاً من نفس الكلية.
كان مروان يرغب بشدة في أن يحضر مسعود حفلة التخرج التي أقامتها عائلته. وتخلى عن هذه الرغبة عندما علم ان الحفلة ستقام في مكان شديد الحراسة لحماية الشخصيات المهمة التى ستحضرها، فقرر أن يستعيض عن الحفلة بدعوته للسفر للخارج في إجازة قصيرة. وافق مسعود على فكرة السفر مسرورا طالما أن مروان سيتكفل بالمصاريف.
قبرص هي الوجهة التى استقر عليها اختيار مروان. كان الموسم صيفا و الحرارة نهارا مرتفعة لتصبح مقبولة مع حلول المساء بسبب النسيم الذي يجعل الجو رائعا. وانغمس الشابان في كل ما يمكن ان يتاح لهما من المتع. ليلة بعد ليلة. وفي صباح اليوم ما قبل الأخير بدأت حياة مروان الجديدة.
جلس مروان لتناول الافطار. لاحظ مسعود ان مروان اكتفى فقط بالقهوة على غير العادة. نظر إليه وسأله ان كان يشعر بتوعك. بادله مروان النظر دون ان يجيب. ثم شرد بنظره إلى الشاطىء القريب. إلتهم مسعود إفطاره بشهية مفتوحة ولم يأبه لشرود صاحبه. هذه حالة تنتابه منذ ان عرفه. يشرد مروان فيبدو وكأنه يعيش في عالم منفصل. تكتسب تقاسيم وجهه ملامح متباينة. احيانا يبدو عليه الغضب الشديد. احيانا اخرى يتملكه وجوم عميق. بل احيانا يبدو وكأنه يتابع حدثا سعيدا فتنفرج اساريره.
قطع مروان شروده. قال بأنه ليس متوعكا . ابتسم مسعود ظنا منه ان نهاره سيكون واعدا كسابقيه. احتسى فنجان قهوة إضافيا قبل ان يقف استعدادا للخروج. سمع صوت مروان يطلب منه الجلوس. شيء ما في صوته لم يعجبه. ماذا دهاه ؟. فقد شهيته والآن يريد ان يفسد نهاره بمزاجه المتعكر. نظر اليه مستفسرا. قال مروان ان لديه موضوعا يريد ان يعرف رأيه فيه ولكنه لا يعرف من اين يبدأ. كان صوت مروان لا يبشر بخير ، بل فيه نبرة لم يعهدها من قبل. شعر بالانزعاج من مزاج صاحبه.
جلس مسعود وكله فضول. اقبل بكليته على صاحبه. هل رأيت كابوسا الليلة او سمعت خبرا سيئا ؟ ما بك على غير عادتك. قال مروان. اسمع يا مسعود انا كهذه الجزيرة الساحرة منقسمة على ذاتها منذ اكثر من 40 عاما. وسبب الانقسام هو عدم اطمئنان القبارصة الاتراك للقبارصة اليونانيين الذين يشكلون الاغلبية. ابتسم مسعود قائلا. لم يكن في علمي انك اصبحت جزيرة.
كتم مروان ضحكته. وخبط براحته كتف مسعود. انا فعلا جزيرة. هذا هو الوصف المناسب تماما لمن هم في مثل وضعي. تعجب مسعود. واصل مروان الحديث لمدة تزيد عن الساعة دون انقطاع. شعر مسعود بأن صديقه الذي عرفه طيلة 3 سنوات في الثانوية واربع سنوات في الجامعة فعلا يعني ما يقول. انت فعلا جزيرة يا رجل. كان مسعود يعتقد ان حياة مروان هي الوجه المحظوظ للدنيا. الحظ هو المال والجمال والنفوذ والصحة مجتمعة. وهذه كلها متوافرة في حياة مروان. لكنه اكتشف خلال الساعة الاخيرة ان عليه مراجعة نظرته للدنيا ووجهها الضاحك المحظوظ.
تحدث مروان خلال الساعة عن شعور سيطر على نفسيته خلال السنوات الاربعة الاخيرة هي فترة الدراسة الجامعية. كانت هذه اول مرة يفاتح فيها شخصا بهمومه المتعلقة بهذا الشعور. لم تكن العبارت تسعفه . خرجت متقطعة بصوت متردد. خلاصة الكلام انه يشعر بعبثية الحياة .
اضطرب مسعود قليلا في اول الامر. ثم تابع باهتمام متزايد ودهشة متعاظمة حديث صديقه. كان يراه يشارك في الحفلات الجامعية وفي النشاطات الرياضية و حلقات النقاش. روح وثابة ونفس متفائلة. يحصل دائما على ما يريد ويعرف تماما ما يصبو اليه. محسود ومهاب في آن واحد. طريق النجاح مفروشة امامه وتنتظره اكثر من عروس. فكيف تكون الحياة عبثية بالنسبة اليه. ماذا يعرف مروان اصلا عن عبثية الحياة.
فجأة نبعت فكرة في خاطر مسعود جعلته يرتعد فزعا . قال ما دمنا لن نخرج هذا الصباح فلا بأس من النزول الى المسبح للتشمس ومواصلة حديثنا هناك. انطلق الى غرفته وعاد مرتديا ملابس مناسبة. وافق مروان على مضض. نزلا الى الاسفل . اتخذا ركنا قصيا مشمسا. غطسا معا ثم تسابقا عدة مراحل. جففا جسديهما بالمناشف ثم استلقيا على كرسيين متجاورين. جاء النادل فطلبا شرابا باردا.
يا ترى هل يتلاعب به. هل هو فخ لاستدراجه لشيء لا يعرفه. ام هل كان ما سمعه مزحة ثقيلة. ما يدريه. لعلها كاميرا خفية. وفي اسوأ الاحوال ينبغي عليه التأكد ان مروان لا يحمل اجهزة تسجيل تحت ثيابه. من هنا جاء اقتراحه بالسباحة والتشمس. تنهد مسعود مسترخيا في كرسيه. وطلب من مروان ان يعيد ما قاله على مائدة الافطار . عاش نفس الساعة مرة ثانية. هذه المرة شعر بانه مغفل كبير. كانت آخر جملة قالها مروان انه يطلب مساعدته لكي ينتحر.
حدق مسعود غير مصدق في وجه مروان. انتصب واقفا ثم شعر بغثيان . لم يتمالك نفسه. فأفرغ ما في جوفه. شعر بالاعياء فتكوم في اول كرسي. لم يفسد نهاري فقط ، بل افسد الاجازة كلها . تساءل ماذا يدور في عقل مروان. كيف يجرؤ على التفكير بالانتحار كمخرج من وضعه. ثم لماذا يقع اختياره علي انا. من سيصدق انه انتحر برغبته. ستلصق بي التهمة. وحتى اذا اثبتت التحقيقات في قبرص براءتي فسوف لن استطيع العودة الى بلدي. من المؤكد ان اسرة مروان ستحملني المسؤولية كاملة وسوف ينتقمون مني وينكلون بعائلتي. كارثة محققة.
تذكر ماذا حدث مع زميل لهما اثناء السنة الاولى بالجامعة حين وقع كثير من شباب الدفعة في غرام طالبة زميلة لهم. لكنها كانت مخطوبة لابن عمها الذي كان يدرس في كلية مجاورة. لكن مروان لم يستطع كبح جماح غيرته. وبقدرة قادر تم تلفيق قضية آداب لخطيبها قضى بسببها عدة اشهر في السجن. وتم نقل محل عمل والد الطالبة الى مدينة بعيدة مما اضطر الطالبة لنقل قيدها الى تلك المدينة الصحراوية. عندها فقط شعر مروان بالرضا. هذا الجانب في شخصية مروان هو المعروف عنه فهو لا يقيم ادنى اعتبارات للناس ممن هم دونه. يدوسهم كما يدوس على حشرة ضارة وكأنه يقدم خدمة للبشرية. بعد فترة طويلة من الصمت المتبادل قررا التمشي على الكورنيش الطويل قبل اشتداد الشمس. صعدا الى غرفتيهما. غيرا ملابسهما بعد حمام سريع.
كان مروان متوترا بعض الشيء. ردة فعل مسعود لم تكن مفاجئة. غثيان وتقيؤ ثم وجوم. هل هذا كل شيء. كان يتوقع ان يقوم بتعنيفه وتوبيخه او بنصحه وتذكيره بقدسية الموت وحرمة الانتحار. على الاقل ان يبدي قليلا من الاهتمام بوضعي النفسي المزري. اما ان يتجاهلني تماما ويغرق في الصمت فهذا آخر شيء أتوقعه من مسعود.
قطع مروان حبل الصمت قائلا انه يشعر بالراحة وبالامتنان بعد ان افضى برغبته ، ثم اضاف انه يرجو ان لا يكف عن اعتباره صديقه. قاطعه مسعود ساخرا الصداقة تعنى وجود شخصين على الاقل. وانت تفكر فقط في نفسك فقط. هل فكرت فعلا ماذا سيكون وضعي اذا اصابك مكروه . بالنسبة اليك ستنتهي كل معاناتك. لكن ماذا عني؟ ثم كيف تسميها صداقة وانت اخفيت عني هذا الامر كل هذه السنوات. انت فعلا جزيرة بلا جسور ولا حتى انفاق. انت تشعر بالراحة وانا اشعر بالرعب وبالضياع.
شعر مسعود بالضيق. سرح ببصره. كان الكورنيش يسبح في نور الشمس الخالية من السحب. وظهرت زرقة السماء وكأنها تختلط عند الافق بزرقة مياه البحر. رمال الشاطيء ذهبية يخالطها بعض الحصى تتكسر فوقه موجات هادئة فتصنع رغوة خفيفة سرعان ما تتلاشى. ارتطم به متريض فانتبه من شروده. اقترح على مروان ان يواصلا السير . بعد بضعة كيلومترات تجاوزا الفنادق السياحية ووصلا الى منطقة تكاد تخلو من العمران. وجدا مطعما هادئا فقررا التوقف لشرب بعض العصائر الطازجة والاستراحة قليلا.
عاتب مروان صديقه. صارحه بأنه لم يكن يتوقع ان تنحصر ردة فعله فقط في سلامته الشخصية. اخبره بأنه ظل سنة كاملة وهو ينوي الانتحار. وان صداقتهما فقط هي الدافع الوحيد لبقائه حيا. اعتذر مسعود عن ذهوله. كانت الصدمة اكبر من قدرته على استيعابها. وشكر له عاطفته الصادقة. اقترح عليه ان يفكر في حلول اخرى. قال مروان انه لا يكره الحياة نفسها. لكنه يمقت قدره الذي ربط مصيره بمصير عائلة متسلطة متفسخة اخلاقيا تعتقد ان جبروتها يفوق اي سلطة اخلاقية او انسانية. قال انه فكر في ان ينفصل عنهم ويهجر البلاد. لكنهم لن يتركوه وشأنه. بل انهم سوف يلاحقونه وقد يتعرض للخطف والاقامة الجبرية مدى الحياة كما حدث لفلان وفلان. هذه العائلة تنتمي لشريحة من البشر لا تعرف الحرية الشخصية. انت بالنسبة لهم مجرد اداة للهيمنة وزيادة النفوذ مقابل منحك امتيازات تجعلك فوق القانون. يجب ان تتخلى عن كل طموحاتك لتحافظ على طموح وحيد هو استمرار تمتع الاسرة بمكانتها وقربها من النظام.
برقت عينا مسعود. ليس من الضروري ان يكون الانتحار هو المخرج الوحيد. من الممكن جدا ان تنفصل عن اسرتك. ومن المكن ايضا تدبير امر اختفائك . بل من الممكن ايضا فبركة حادثة تنتهي باعلان وفاتك. لكن عندي لك بعض الاسئلة. قاطعه مروان قائلا فكرت في كل هذا. التخلي عن الثراء والشهرة والنفوذ ليس امرا سهلا. بل اراها ضريبة لازمة في حال اخترت الحياة بعيدا عن اسرتي. لكن سيظل الماضي وعائلتي يلاحقانني. البقاء على قيد الحياة مع بتر كامل لجزء من هويتي قد يكون اكثر ايلاما مما انا فيه الآن. تبسم مسعود وقال. لم اكن اعرف انك رقيق وحساس وهش الى هذه الدرجة. كم من زملاء الدراسة الذين تعرفهم شخصيا كانوا مضطرين ان يتنكروا لماضيهم بسبب انتسابهم لعائلات نالها بطش النظام الحاكم. وكم من الاصدقاء الذين يدورون في نفس الفلك الذي تدور فيه انقطعت اخبارهم واختفت آثارهم واختاروا ان يدفعوا ثمنا باهضا للهروب من ما تشكو منه. بالطبع انت لم تفكر دقيقة واحدة بمصائرهم . الحقيقة ان الواقع الحقيقي اوسع بكثير من الشرنقة التي تعيش فيها. الموت ليس حلا على الاطلاق. كلنا سنموت ذات يوم فلا تستعجل. قبل ان نموت ينبغي ان نكتشف كل الاحتمالات. احس مروان بالانزعاج. كلمات مسعود رغم صدقها لكنها لا تعبر عن الواقع. فمسعود يعبر فقط عن واقعه هو ولا يمكنه ان يتخيل الواقع الذي اجد نفسي فيه. ثم لماذا هذه النبرة القاسية في كلامه. الا يكفيني ما انا فيه من بؤس وشقاء لا يعلم به الا الله. شعر مسعود بانزعاج صديقه فندم على صراحته. بادر بالاعتذار عن حدته ونبرته العالية. احضر النادل اطباقا متنوعة منها سلطات وسمك مشوي وبعض المشروبات. فرغ الصديقان من تناول الطعام. وسارا عائدين الى الفندق وخاضا في احاديث متشعبة.
ارتمى مروان على سريره. شعر انه لم يستطع التخلص من تأثير كلمات مسعود المزعجة. الرجل لم يقل شيئا لا يعرفه. بل ان مسعود لا يعرف الحقيقة. والارجح ان ما بلغه لا يزيد عن عشر معشار الحقيقة. فكيف يسمح لنفسه ان يتخذ هذا الموقف المتعالى اخلاقيا تجاه وقائع لا يعلم عنها شيئا. شعر بفورة غضب فمد يده الى ابريق الماء وقذفه بكل قوة على الجدار المقابل ثم غادر غرفته واتجه الى صالونات الاستقبال في بهو الفندق. جلس هناك وحيدا يتابع حركة الناس بدون قصد. عائلة مكونة من اب وام شابين مع طفلين متلهفين للخروج في نزهة. رجل اعمال مستعجل يطلب من موظف الاستقبال مراجعة ترتيبات اجتماعات شركته. جماعة من الشباب تتعالى اصوات صخبهم وضحكاتهم. كان البهو ينبض بالحياة في الوقت الذي تسيطر عليه فكرة مغادرة الحياة نفسها. شعر بصدق كلمات مسعود. لا يوجد داع للاستعجال. قبل استنفاذ جميع الاحتمالات. واحد هذه الاحتمالات يواصل حياته كما هي. وسيحاول قدر الامكان فعل ما يمليه عليه ضميره في الحدود المتاحة. هو في النهاية ليس نبيا تلزمه العصمة. استراح لهذا الاحتمال. قرر ان لا يصارح به مسعودا. اتجه الى موظف الاستقبال واخترع عذرا يبرر به تكسير ابريق الماء. وطلب تنظيف الغرفة في الحال.
في هذه الاثناء كان مسعود يستحم فلم يشعر بشيء. نشف جسمه بسرعة ثم ارتدى ملابس نوم خفيفة واستلقى على فراشه طلبا لراحة خفيفة. استيقظ بعد ساعة على صوت مروان يستعجله. غير ملابسه بسرعة والتحق به. كانت الشمس تضفي على الجدران درجات من اللون البرتقالي. زرقة السماء وزرقة البحر والجو العليل المحمل باريج بساتين الموالح القريبة. كان مروان قد حجز مكانا لهما لحضور امسية في الملاكمة في الهواء الطلق. كان الحضور كثيفا والتشجيع متواصل طيلة المباريات الثلاث. كان اندماج مسعود بالحدث لا يصدق. فهو قد مارس الملاكمة منذ ان كان في الرابعة عشر من عمره الى يومنا هذا. ومع انه لم يحترف يوما الا ان عشقه للملاكمة يدفعه للتمرن 3 مرات اسبوعيا يظهر اثرها واضحا في صلابة جسمه. ثم اعلن المنظمون عن فترة راحة تستمر لمدة ساعة يمكن للحاضرين خلالها التنافس لمدة جولة واحدة تستمر 3 دقائق يغادر فيها الخاسر الحلبة. وفجأة سمع المنظمون يهتف باسمه ويدعوه للنزول. وهكذا وجد نفسه يحقق امنية طالما كان يحلم بها. صمد مسعود امام 4 ملاكمين قبل ان يخرج خاسرا بالنقاط امام في الجولة الاخيرة. ساعده مروان في النزول من الحلبة واتجها مباشرة الى الفندق. كان مسعود يشعر بالألم في انحاء متفرقة من جسده ومع ذلك كان شعور لذيذ بالسعادة يسيطر عليه. غطس في جاكوزي الفندق بعد ان حجز ساعة مساج بعد الجاكوزي.
في هذه الاثناء كان مروان في بهو الفندق ينهي اجراءات الاقامة استعدادا لرحلة العودة غدا صباحا. دفع تكاليف شخصين و حجز تاكسيا للمطار . وصعد الى غرفته. لم يمض وقت طويل قبل ان يلتحق به مسعود بادي الرضا. تبادلا حديثا عن براعة مسعود وموهبته في الملاكمة. قال مروان انه متأكد مسعود خامة فريدة وموهبة حقيقية . شكره مسعود ثم خرجا لتناول وجبة عشاء خفيفة.
قال مروان بل انت من يستحق الشكر. فعلا الحياة تستحق ان نعيشها يوما بيوم. كل من موقعه الذي اختاره له القدر. كنت ابحث عن وسيلة للتخلص من هذه الحياة الثقيلة المزعجة وتناقضاتها الصارخة . وكنت انت الوحيد الذي يمكنني ان اذكر له افكاري السوداوية. ردة فعلك جعلتني اراجع نفسي. ولابد من الاعتراف بجميلك الذي لن انساه ما حييت.
انقضى الوقت سريعا. وبعد نوم خفيف وجد الصديقان نفسيهما في الطريق الى الطائرة. دخلا المطار وعند انهاء اجراءات السفر تبين ان مسعود قد نسي بعض اوراقه الرسمية وتذكرته في الفندق. اتصل بالفندق وطلب منهم حجز جديد لشخص لمدة ليلة فقط. بقي في المطار في انتظار توديع مروان. انهى مروان اجراءاته واتجه الى صالة الركاب المغادرين . قال لمسعود انه سيكون غدا في انتظاره في المطار.
عاد مسعود للفندق، دفع كامل المستحقات وغادر على عجل. وفي اليوم التالي كان مروان في انتظاره حسب الاتفاق الا ان مسعودا لم يكن على متن الطائرة. استغرب مروان كثيرا . وخلال الايام التي تلت لم يظهر اي اثر لمسعود. اتصل بعائلته التي كانت في غاية القلق لانهم ظنوا ان ابنهم كان في صحبته. مرت اسبايع دون ان يعثر على اي خبر عن صديقه، في حين سيطر اعتقاد لدى عائلة مسعود ان ابنهم ذهب ضحية طيش مروان ونزواته. لم يستطيعوا حتى الافصاح عن ما كان يدور في افكارهم خوفا من بطش النظام. وانقطع اتصال مروان بالعائلة وواصل حياته وكأن شيئا لم يحدث. وبعد مرور سنتين قضى مروان نحبه في حادث سيارة. واقامت اسرته سرادق عزاء مع الحرص على قراءة 40 ختمة قرآن على روحه الطاهرة خلال ايام العزاء الثلاثة.
كان مسعود خلال هذه السنتين قطع صلته تماما بماضيه . غادر قبرص في الليلة نفسها. كانت مصارحة مروان له نذير شؤم. لم يستطع التخلص من فكرة ان مروان كان يختبره. يا ترى هل كان يريد تجنيده. هل كان يريد استغلاله في علاقات مشبوهة. هل فعلا غير مروان افكاره السوداوية بهذه السهولة. ماذا سيحدث له لو عاد . وماذا سيحدث لاسرته . كانت هذه الاسئلة تعنى شيئا واحدا. عليه الاختفاء وعدم العودة حتى يقضي الله امرا.
كان مروان قد اخذ بنصيحة مسعود. استغرق منه الامر سنتين كاملتين من التدبير والتخطيط لقطع علاقته بالماضي.