الشرط

جلست امامه كعادتها كل مساء. 6 اشهر مضت منذ ان انتقل اليها. كان عالمها. وكان هو في عالم آخر. هذا المساء شعرت بشيء غير مألوف في نظراته. في عينيه قلق. قبلت جبينه وخرجت لتلحق بالمناوبة الليلية كممرضة متمرسة في المستشفى الجامعي. كان الجو في الخارج يميل الى البرودة لكن سعيدا الذي اكمل عامه الخامس والثلاثين قبل اسبوع شعر بجو الغرفة يخنق انفاسه ، فاسرع يفتح شباك النافذة.  تسرب نسيم عليل عبر النافذة منذرا بقرب انتهاء موسم الصيف القصير. سحب شهيقا عميقا ملأ به صدره ثم قرر التمشي قليلا لعله يجد في ذلك بعض الراحة. قطع بضعة كيلومترات قبل ان يجد نفسه واقفا امام باب المسجد المغلق. تعجب كيف قادته قدماه الى هذا الباب في هذه الساعة المتأخرة من الليل. كانت هذه هي المرة الثانية. تنهد ثم عاد ادراجه. اغتسل واندس في فراشه ونام في وقت قصير.

شقته في الطابق الرابع تطل على حديقة مترامية الاطراف محاذية للنهر. وعلى الجانب الآخر من النهر تقع محطة القطار. عادت ماريا من عملها واعدت افطارا خفيفا لهما. استيقظ على صوتها تدعوه للفطور. جلسا قبالة النافذة الصغيرة في مطبخهما الصغير في حين نشرت اشعة الشمس الضعيفة ضوءها الباهت على جدارن المطبخ. احتسى قهوته سادة من غير سكر. واكل بيضة مسلوقة وبعض الجبن الابيض. كانت تبحث عن عينيه. لم تجد اثرا للقلق. استغربت. سألته فتهرب من الاجابة. لعله الارهاق. فهو يعمل في محطة القطارات في قسم شحن البضائع. اقنعت نفسها بذلك. طبعت قبلة على جبينه، ودخلت لتأخذ قسطها من الراحة في حين خرج هو ليلحق بعمله.

قطع المسافة الى عمله في وقت وجيز. عبر الجسر، ثم انعطف في اول شارع على يساره. وجد نفسه امام ساحة فسيحة تتوسطها بركة صغيرة ذات نوافير. تبادل بعض التحايا مع زملائه. بحث عن زميله منصور فقيل له انه متوعك ولن يحضر هذا اليوم. انزعج قليلا ثم انهمك في العمل. مضت ساعات وهو مستغرق في اداء مهام مختلفة دون ان يشعر بمرور الوقت. في الاستراحة الاولى شارك مجموعته في تقديم هدية لزميلهم بمناسبة مولوده الاول. اخفى حقيقة مشاعره المتضاربة عن الجميع. وحمد الله ان منصورا لم يكن حاضرا اليوم. كان مع منصور وماتياس يشكلون فريق عمل واحد معروف بالانضباط والجدية كما هو معروف بقوة علاقاتهم اثناء العمل وخارجه. ثلاثتهم كانوا يعرفون بعضهم قبل ان يلتحقوا بمحل عملهم الحالي. وثلاثتهم في سن متقاربة.

سار منحدرا مع ضفة النهر الى حيث تقوم بناية ضخمة تتوسط المدينة. مر بعدد من المحال التجارية و عدد من المطاعم قبل ان يقرر زيارة صديقه منصور. دلف الى اقرب محل زهور واشترى باقة صغيرة مع بطاقة مكتوب عليها: بالشفاء العاجل. استقبله زميله بفرحة. وبعد قليل انضم ماتياس اليهم. كانوا يعرفون بعضهم جيدا ويتبادلون ادق تفاصيل حياتهم فيما بينهم. وكان منصور يشعر بانه الاخ الاكبر لثلاثتهم. قال ماتياس انه يشعر بالفخر لكونه مقبلا اخيرا على الاستقرار وتكوين عائلة بعد حياة جامحة. لم يبق ماتياس طويلا. كان شوقه لرؤية وليده واضحا. ضحك الجميع من التغير الذي طرأ عليه.

بعد انصرافه عاد سعيد الى بيته. كانت ماريا قد اعدت الغداء. اقبل على الاكل بشهية مفتوحة. وتبادلا اطراف الحديث. اخبرها عن مرض منصور، وعن فرحة ماتياس وتغيره بعد ان اصبح ابا. كان يتدفق في الحديث. تعجبت في نفسها . بالامس كان ساهما واجما وفي عينيه قلق دفين. واليوم يسترسل في الحديث. اخبرته بملاحظتها. ابتسم. مرر يده على خصلات شعرها. اخبرها بحيرته هو من تضارب مشاعره تجاه التغير الذي يعيشه ماتياس. اخبرها انه فكر طويلا في الانجاب. استنار وجهها. لاحظ ذلك. دخلا في حوار طويل خلاصته انه يريد ان يقضي بقية حياته معها وان تكون لهما ذرية تملأ البيت عليهما ، وان العقبة الوحيدة هي انه يريد لذلك ان يحدث في اطار الزواج. طفرت من عينيها دموع فرح. اخبرها انه احتفظ بهذه الرغبة لنفسه لمدة طويلة. تجاوبت معه. اخبرها بوقوفه امام باب المسجد ليلا. تعجبت فهو لا يمارس شيئا من واجباته الدينية. ولم يظهر لها انه في اعماقه يقدس دينه. طال الحديث وتشعب. دخلا في تفاصيل كثيرة. وافقت على اجراء عقد الزواج في المسجد فشعر بارتياح كبير وسعادة غامرة. قبل جبينها قبل خروجها للعمل.

خطرت في باله فكرة عزم على تحقيقها على الفور رغم تعبه من عمل اليوم الطويل. خرج مسرعا. كان رذاذ المطر يغسل اسفلت الشوارع الخالية تقريبا من المشاة. عند وصوله الى مبنى الكنيسة الحجرية انعطف يمينا ، و واصل طريقه عبر طريق ضيقة مبلطة بالحجارة متجاوزا المقبرة القديمة. استحضر وقوفه كإشبين في قاعة الكنيسة الى جانب ماتياس قبل اقل من عام. من يدري من سيقف الى جانبه حين تحين مراسم زواجه. وجد نفسه امام باب المسجد. تردد قليلا ثم عبر باب المسجد. حرص على تقديم قدمه اليمنى. تذكر حرص المرحوم والده حينما كان يرافقه لصلاة الجمعة قبل اكثر من ثلاثين عاما. الحرص نفسه. سرت رعدة في اوصاله حين تذكر انه على غير طهارة منذ وقت طويل. لهج لسانه بالاستغفار وكاد يخرج. كان رواد المسجد قد فرغوا من اداء صلاتهم الاخيرة لهذا اليوم. توقف حينما سمع احدا يسأله عن حاجته. اخبره بأنه يريد مقابلة الامام لأمر شخصي. تهلل وجه السائل. قاده الى غرفة جانبية مكتوب على بابها غرفة الامام. كان الامام رجلا في حوالي الخمسين من العمر. نحيلا. حاد النظرات. يرتدي عباءة تقليدية. ويضع على رأسه طاقية خضراء. بدأ الامام في سؤاله عن اسمه و جنسيته، واذا ما كان يفضل الحديث بالعربية. تماسك سعيد واظهر قدرته على تحدث العربية بلكنة مغاربية واضحة. انبسطت اسارير الامام وسأله مستفسرا عن احواله. تبادلا حديثا سطحيا فترة من الزمان، ثم سأله الامام عن سبب مجيئه هذه الليلة. اطلق سعيد تنهيدة طويلة وطأطأ رأسه . لم يشأ ان يراه احد باكيا. ادرك الامام ما يعانيه. سمع صوت الامام يخفف عنه واحس بيده تربت على كتفه. تماسك سعيد ومسح دموعه قبل ان ينصرف شاكرا للامام على المقابلة. وقف استعدادا للمغادرة. رافقه الامام الى باب المسجد واخبره ان بامكانه ان يأتي اليه في اي وقت يريد ، واعطاه رقم هاتفه.

سلك سعيد دروبا مختلفة في طريق عودته. تقاذفته مشاعر متنوعة. ولم يكن يعرف لذلك سببا معينا. كان يتعجب احيانا من صلابة الايمان في داخله في الوقت الذي لم يكن لهذا الايمان اي اثر على سلوكه. وللدقة فقد كان جانب كبير من اخلاقه العملية كالصدق والوفاء وتقديم يد العون للمحتاج يرتكز في اساسه على تربيته في اسرة مسلمة. قناعاته الدينية بسيطة وتقوم على ان الدين مسألة روحية. علاقة تقوم على المحبة. وان الخالق عليم بنوايا مخلوقاته. وان عليه فقط تنظيم شؤون حياته بطريقة عملية. هذه الليلة شعر بنقص معارفه الدينية. وبدا له أن الامام يملك قدرا كبيرا من الحكمة والحنكة في التعامل مع الناس. خصوصا بعدما اخبره انه لا يقوم بفروضه الدينية كما ينبغي له كمسلم. كان يتوقع ان يبدي الامام امتعاضه من هذا الامر بالذات. لاحظ ان توقعه لم يكن في محله. ولاول مرة شعر بالارتياح لرجل دين. وصل الى شقته. تذكر موضوع الطهارة ، وكان في حاجة الى الاغتسال. استرجع بسرعة الطريقة الصحيحة. واغتسل. لم يشعر باي فرق. دخل الى فراشه ونام نوما عميقا.

وصل عمله مبكرا. كان يشعر بخفة ونشاط. مضى نهاره كالمعتاد. فرغ من العمل. فكر مليا في الاتصال برقم هاتف الامام. عزم على ان يكون واضحا ومحددا في طلبه. استقر رأيه على ان يقوم بزيارة المسجد. اتصل بزوجته. اخبرها بأنه سيتأخر لبعض الوقت حتى لا تنتظره على الغداء. ثم انطلق بخطوات سريعة الى المسجد. انضم الى صفوف المصلين. تقابلت نظراته مع نظرات الامام الذي هز رأسه محييا. تبع الامام الى غرفته. حياه الامام على عودته السريعة.دخل سعيد في صلب الموضوع. سرد على الامام تفاصيل حياته. وكيف انه بعد طول معاشرة مع من يراها هبة السماء له قرر ان ينجب اطفالا ، وانه يريد لذلك ان يحدث في اطار زواج شرعي، وانه يرغب في اقامة حفلة صغيرة في حضور والديه و صديقيه منصور وماتياس كشاهدين وماريا ووالدها وشقيقتها.

طال صمت الامام حتى ظن سعيد انه لن يقبل باجراء عقد القران. فقام من كرسيه ومد يديه ليصافح الامام. قطع الامام صمته قائلا : يا ولدي انا لي شرط وحيد فقط حتى اوافق على اجراء عقد قرانك. رجاء تفضل بالجلوس. انت تقول ان ماريا هي هدية السماء اليك. وانا اصدقك واتمنى لكما السعادة من كل قلبي. شرطي هو ان تقيم حفلتك الصغيرة بعد 3 اشهر من الآن وسوف اقوم حينها بعقد قرانك بكل سرور اذا طبقت شرطي الوحيد. فكر سعيد في ما يمكن ان يشترطه عليه الامام. هل سيطلب منه ان تضع ماريا حجابا اثناء عقد القران. هل سيطلب منها ان تشهر اسلامها وهي المسيحية. هل سيطلب منه مبلغا ماليا باهظا . شعر بالحيرة. تردد قليلا قبل ان يطلب معرفة الشرط. في البداية لم يستوعب الكلمات التي تلفظ بها الامام. سمع الامام يكرر العبارة : ( شرطي هو ان لا تعاشر ماريا خلال هذه المدة . وانا على يقين بانك اذا كنت فعلا تحبها محبة خالصة من اعماقك فسوف تقبل بهذه التضحية الصغيرة كدليل على جديتك) .

شعر سعيد بالدوخة. كانت اجابة مباغتة. شرط لم يخطر له في الحسبان. شعر بالغثيان. ماذا سيقول لماريا اذا وافق على هذا الشرط الغريب. ما علاقة الامام بحياته الشخصية حتى يشترط هذا الشرط الوقح. بدأ يشعر بعدم الارتياح. اخبر الامام بانه يحتاج لمهلة للتفكير. ثم انصرف وهو يشعر بالغضب. شعر وكأن خصوصياته تعرضت للانتهاك. ندم انه فكر مجرد التفكير في الاستعانة بامام. وعزم على ان لا يعود مطلقا لهذا المسجد. قطع المسافة الى بيت صديقه منصور وهو لاهث الانفاس. وجد ماتياس هناك. لم يستطع سعيد السيطرة على غضبه فانطلق يسب ويشتم. لم يستوعب ماتياس حراجة الموقف. اما منصور فقد استلقى على ظهره من الضحك.

في الاسبوع التالي حضر منصور بصحبة رجلين احدهما امام المسجد الذي يصلي فيه الى منزل صديقه سعيد وتمت اجراءات عقد القران بكل يسر وسهولة. وخرج جميعهم بعدها لمطعم قريب احتفاءً بهذه المناسبة المهمة في حياة سعيد. يومها فقط شعر سعيد بان عالمه قد اكتمل.

أضف تعليق